الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : قضايا معاصرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
155 - رقم الاستشارة : 5075
15/06/2026
في بعض الدول يوجد مهاجرون، ولسوء سلوك بعض المهاجرين يطالب بعض أهل الدولة التي تستضيفهم بطردهم من أرضهم.. فما حكم طرد المهاجرين من البلاد التي هاجروا إليها بسبب ما تمر به بلادهم من اضطرابات ومشكلات؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن من محاسن الشريعة
الإسلامية رسوخ مبادئ العدالة والإنصاف فيها، وحمايتها للحقوق والواجبات، وإغاثتها
للملهوفين والمستضعفين. وقد شهد التاريخ الإسلامي أعظم صور الهجرة والاستضافة في
حادثة هجرة النبي ﷺ وأصحابه من مكة إلى المدينة، وجسّد الأنصار نموذجًا يُحتذى في إيواء
المهاجرين ومواساتهم.
وفي العصر الحديث، أدت الحروب والاضطرابات والنزاعات في
بعض البلدان إلى لجوء وهجرة الملايين إلى دول أخرى طلبًا للأمان والعيش الكريم.
ومع بروز بعض السلوكيات والمخالفات الفردية من قِبل آحاد المهاجرين، تعلو أحيانًا
أصوات شعبية في الدول المستضيفة تطالب بطرد المهاجرين كافّة أو ترحيلهم جماعيًّا.
وهذه المسألة الحساسة تتطلب بياناً فقهيًّا مؤصلاً يربط بين الأحكام الشرعية
الكلية والواقع المعاصر، مع مراعاة الموازين الأخلاقية والقوانين الحاكمة.
اختصارًا: طرد المهاجرين جماعيًّا بسبب سلوك البعض محرم شرعًا ومرفوض إنسانيًّا
وأخلاقيًّا؛ لما فيه من معاقبة الأبرياء بجرائم غيرهم، وإعادتهم إلى بلاد يتهددهم
فيها الموت أو عذاب أليم بسبب الاضطرابات، وتقرر الشريعة أن العقوبة شخصية؛ فمن
أساء أو خالف القوانين من المهاجرين يُحاسب بمفرده وفق القوانين والعدالة
القضائية، ولا يجوز سحب جريرته على بقية المهاجرين الصالحين المسالمين.
لكن ويا للأسف فإن الغالبية العظمى من الدول المستضيفة
في العصر الحالي لا تحتكم شعوبها ولا قوانينها إلى المعيار الشرعي الفقهي بشكل
مباشر، وإنما تحتكم إلى المعيار الأخلاقي الإنساني والمواثيق الدولية لحقوق
الإنسان، والإسلام يقر هذه المشتركات الإنسانية التي تحفظ كرامة الإنسان وتمنع
الظلم.
أولاً: نصوص العلماء قديمًا في إيواء المستأمنين وحرمة
العقاب الجماعي
أصل وجود المهاجر في دولة أخرى يُكيف فقهيًّا في باب
"الأمان" أو "العهد"، وقد أجمع الفقهاء على أن من دخل بلدًا
بأمان سواء كان مسلمًا أو غير مسلم وجب حفظ نفسه وماله، ولا يجوز نقض عهده جماعيًّا
بسبب جناية غيره:
ما جاء في "أحكام القرآن" للإمام الجصاص
الحنفي:
أكد على أن جناية الواحد لا تؤخذ بها الجماعة، مستدلاً
بالآيات والسنّة، وجاء في شأن المعاهدين والمستأمنين: "لا يجوزُ أن يُؤخذ
أحدٌ بذنبِ غيره، ولا يُنقض عهدُ جماعةٍ لجنايةِ واحدٍ منهم لم يمالئهم عليها ولا
رضي بها" أحكام القرآن للجصاص، 3/94.
ما نقله الإمام القرطبي المالكي في تفسيره:
قال في بيان وجوب إعانة وإيواء من يطلب الأمان والملجأ
خوفاً على نفسه: "إن مَن جاءنا مستجيرًا أو طالبًا للأمان وجب علينا إيواؤه
وإيصاله إلى مأمنه، فإذا استقر في دارنا وجب حياطته وحفظه، ولا يحل لمسلم ترويعه
أو إخراجه إلى موضع الهلكة" تفسير القرطبي، 8/74.
تأصيل الإمام الشافعي في "الأم":
فرّق الشافعي بوضوح بين الجناية الفردية والجماعية في
كتاب السير، وذكر أن المقيمين بأمان إذا جنى أحدهم جناية أو خالف شرطًا: "أُخذ
الجاني وحده بعقوبته، وبقي الباقون على أمانهم؛ لأن عقد الأمان عقد فردي لكل شخص
بخصوصه، فلا ينفسخ بعصيان غيره" الأم للإمام الشافعي، 4/254.
ثانيًا: مواقف الهيئات الفقهية والعلماء المعاصرين
أكدت الفتاوى المعاصرة على حرمة الترحيل القسري الجماعي
للمهاجرين واللاجئين الذين فروا من الحروب:
قرارات مجمع الفقه الإسلامي الدولي:
في دوراته المتعلقة بحقوق اللجوء في الإسلام، أكد المجمع
أن "حق اللجوء مكفول في الإسلام لكل إنسان يفر بدينه أو حياته أو حريته من
الاضطهاد والظلم"، وشدد على "حرمة إعادة اللاجئ أو المهاجر قسرًا إلى
بلد يخشى فيه على حياته أو حريته، ما لم يكن ارتكب جريمة توجب العقاب القانوني
الفردي".
القواعد الفقهية الحاكمة:
تخضع هذه المسألة لقواعد فقهية قطعية تمنع الظلم وتحقق
العدالة:
قاعدة: "الجناية شخصية" أو: لا تزر وازرة وزر
أخرى
مستندة إلى النص القرآني القطعي: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ
نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}. وهي الضابط
الأساسي لمنع العقاب الجماعي؛ فسلوك بعض المهاجرين الخاطئ يتحملونه بمفردهم، ولا
يحل شرعًا إسقاطه كذريعة لطرد البقية.
قاعدة: "الضرر لا يُزال بالضرر"
طرد آلاف العائلات المهاجرة والأطفال والنساء إلى بلاد
مضطربة وهو ضرر شديد وهلاك محقق بحجة إزالة ضرر السلوك السيئ لبعض أفرادهم هو عين
المخالفة لهذه القاعدة؛ فالضرر الفردي الناشئ عن سوء السلوك يُزال بمعاقبة المسيء
نفسه بالقانون، لا بإلحاق الضرر الشامل بالأبرياء.
قاعدة: "المشقة تجلب التيسير"
وجود اضطرابات ومشكلات في بلاد المهاجرين الأصلية يمثل
مشقة عامة وملجأ اضطراريًّا، يوجب على الدول تيسير إيوائهم إنسانيًّا وأخلاقيًّا،
وتجنب ترحيلهم قسرًا.
قاعدة: "تصرف الإمام على الرعية منوط
بالمصلحة"
الحكومات والسلطات في الدول المستضيفة يجب أن تزن
قراراتها بميزان المصلحة الحقيقية والعدل، وليس تحت ضغط النزعات الشعبوية أو
العنصرية؛ والمصلحة والعدل يقتضيان معاقبة المجرم وحماية البريء.
تنبيهات وإيضاحات مهمة:
1. التفريق بين السلوك الفردي والعقاب الجماعي
من الظلم البيّن والجهل بحدود الشريعة والمنطق العقلي،
أن يُعمم الحكم على مجتمع أو فئة كاملة بسبب تصرفات أفراد منها. فالمهاجرون ليسوا
كتلة واحدة صُبت في قالب سلوكي واحد؛ فمنهم الطبيب والمهندس والعامل والمسالم
الصالح، ومنهم المسيء والمخالف. وإن إقرار "العقاب الجماعي" بطرد الجميع
هو انتكاسة أخلاقية ترفضها الفطرة السليمة والشرائع كلها؛ فالمسيء يُلجم بقوة
القانون والقضاء، والبريء يُترك ليعيش في أمان.
2. ميزان التحاكم المعاصر: المعيار الأخلاقي والإنساني
ينبغي التنبيه بعمق إلى واقع العالم اليوم؛ فجلُّ أو كل
الدول التي استقبلت المهاجرين ووفرت لهم المأمن سواء كانت دولاً غربية أو شرقية،
بل وحتى بعض الدول الإسلامية في المنظومة السياسية الحديثة لا تحتكم شعوبها
وحكوماتها في التعامل مع هذه الملفات إلى المعيار الفقهي الشرعي بالمعنى الاصطلاحي
الإسلامي، وإنما يرجعون ويتذرعون بالدرجة الأولى بـ "المعيار الأخلاقي
الإنساني"، وبالمواثيق والاتفاقيات الدولية مثل اتفاقية جنيف للاجئين.
والإسلام هنا لا يصطدم مع هذا المعيار الإنساني
الأخلاقي، بل هو سابقٌ ومؤيدٌ له؛ فالقيم الإنسانية المشتركة مثل: الوفاء بالعهود،
وإغاثة الملهوف، والعدل، وحماية الضعيف، ومنع التعذيب والقتل، هي أركان أصيلة في
الشريعة الإسلامية. لذا، فإن من واجب الشعوب المستضيفة تفعيل هذا المعيار الإنساني
والأخلاقي، وتذكر الظروف القاسية التي دفعت هؤلاء لترك أوطانهم، وألّا ينجروا خلف
الخطابات التي تجرد المهاجر من إنسانيته بسبب خطأ فردي لا يد له فيه. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: