الذهب مقياس الوفاء والمحبة! تلك وساوس الشيطان

Consultation Image

الإستشارة 11/03/2026

في كثير من المجتمعات يُقدَّم للعروس عند الزواج ذهبٌ وحُليٌّ على سبيل الهدية، ويجري العرف على أنه يصبح ملكًا خاصًا لها بعد تقديمه. لكن يُلاحظ في بعض الحالات أن الزوج بعد الزواج يعتبر هذا الذهب من حقه، فيطلب من زوجته أن تعطيه له أو تتنازل عنه، بل قد يضغط عليها حتى تسلّمه له، أو يأخذه ويتصرف به بالبيع أو غيره دون رضاها.

كما أن بعض الأزواج يبرر ذلك بأنه هو من دفع ثمن الذهب، أو ينتظر من زوجته أن تهبه له لتثبت محبتها ووفاءها له، بل قد يحرجها أو يضغط عليها حتى تستجيب، فتوافق أحيانًا حياءً أو خوفًا من حدوث خلافات زوجية.

فما الحكم الشرعي في هذه المسائل: هل يُعدّ الذهب الذي يُقدَّم للعروس عند الزواج هديةً تامة تصبح ملكًا خالصًا لها، ولا يجوز للزوج أخذها أو التصرف بها دون إذنها؟

إذا كان الزوج هو الذي دفع ثمن الذهب ابتداءً، فهل يحق له المطالبة به بعد أن قُدّم للعروس؟ ما حكم ضغط الزوج على زوجته لتسليمه ذهبها أو بيعه، أو إحراجها حتى تتنازل عنه؟

ما حكم ما تعطيه الزوجة حياءً أو تحت الضغط دون رضاها الحقيقي؟ وهل يُعدّ ذلك من أكل أموال الناس بالباطل؟

وهل يجوز شرعًا جعل تنازل الزوجة عن ذهبها معيارًا لاختبار محبتها ووفائها لزوجها؟

نرجو بيان الحكم الشرعي في هذه المسألة، وذكر الضوابط الشرعية المتعلقة بالهبة وحقوق الزوجة في مالها.

الإجابة 11/03/2026

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد:

 

فعلى سبيل الإجمال: على الزوج أن يتقي الله في مال زوجته، وأن يعلم أن استقواءه عليها لأخذ ذهبها يمحو البركة من البيت ويورث الشقاق. وإذا كانت الزوجة تريد مساعدة زوجها في ضائقة مالية، فيجب أن يكون ذلك بمبادرة منها، وبشكل واضح كقرض أو هبة عن طيب خاطر، لضمان الحقوق واستمرار المودة، والزوجة مدعوة شرعًا للإحسان إلى زوجها، وتقدير وقت الأزمات الحقيقية ومساعدته فيها بما تستطيع بلا غبن لحقوقها.

 

أما تفصيلا: فهذه المسألة من القضايا الاجتماعية التي تمس الحقوق المالية والشرعية للمرأة، والشريعة الإسلامية كانت حاسمة في حفظ ذمة المرأة المالية واستقلالها عن زوجها.

 

​​1. الملكية الشرعية لذهب العروس

ذهب العروس الذي يُقدم لها عند الزواج (سواء أكان جزءًا من المهر أو هدية مستقلة) هو ملك خالص لها بمجرد القبض.

الدليل من القرآن: قوله تعالى: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4]. وكلمة "نحلة" تعني عطاءً عن طيب نفس، فإذا ملكته الزوجة فلا يجوز لأحد مشاركتها فيه.

 

و​القاعدة الفقهية: "أن الهبة إذا قُبضت مُلِكت". وبما أن الذهب قد سُلّم للعروس وتزينت به، فقد استقر ملكها عليه، ولا يحق للواهب (سواء كان الزوج أو غيره) الرجوع فيه.

 

2. ادعاء الزوج الحق في الذهب لأنه دافع الثمن

 

​هذا المبرر ساقط شرعًا؛ فمن الطبيعي أن يدفع ثمن ما يقدمه لزوجته، وقد سلمه إليها بقصد "التمليك" لا "العارية". فالمهر أو الهدايا الزوجية هي ثمن استباحة العشرة وتكريم للمرأة. ولا يحق للزوج المطالبة بما قدمه كهدية أو مهر، وقد شدد النبي ﷺ في النهي عن الرجوع في الهبة، فقال: "العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه" (رواه البخاري ومسلم).

استثناء وحيد يجيز للزوج استرداد الذهب إذا تم الاتفاق "كتابةً أو عرفًا صريحًا" قبل الزواج على أن الذهب "عارية" للاستخدام فقط وليس ملكًا، وهذا خلاف العرف السائد في أغلب المجتمعات.

 

3. حكم الضغط والإحراج لأخذ الذهب

يُعد ضغط الزوج على زوجته لتتنازل عن ذهبها، سواء بالتهديد بالطلاق، أو بسوء المعاملة، أو بالإحراج العاطفي، محرمًا شرعًا، ويشترط في صحة التنازل "طيب النفس". قال النبي ﷺ: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه".

والقاعدة الأصولية: "أن ما أُخذ حياءً فهو كالمأخوذ غصبًا". فإذا وافقت الزوجة لتجنب النكد أو خوفًا من الزوج، فإن ذمة الزوج لا تبرأ بهذا المال، ويظل دينًا في رقبته يجب رده، وتصرف الزوج في الذهب دون رضا الزوجة الصريح والنابع عن اختيارها هو صورة من صور الظلم وأكل أموال الناس بالباطل، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [النساء: 29].

 

4. اختبار المحبة والوفاء عبر التنازل المالي

استخدام "الذهب" كمعيار للحب هو خلط للأوراق وتلاعب بالمفاهيم الشرعية.

الوفاء والمحبة يُستدل عليهما بحسن العشرة، الصبر، والقيام بالواجبات، وليس بتنازل المرأة عن حقوقها المالية التي شرعها الله لها لتأمين مستقبلها أو حاجتها، والشرع لم يجعل "الاختبار المالي" وسيلة لقياس المودة، بل جعل القوامة للرجل ليُنفق هو، لا ليتطلع لما في يد زوجته.

ولكن حتى لا يظل الأمر مجرد أحكام مجردة في الغالب لا يلتزم بها كثير من الناس، فلنكن واقعيين، وسأقدم لك مجموعة من النصائح لعلها تكون نافعة في التخلص من الحرج إذا تعرضتِ لشيء من هذا.

 

إليكِ عدة مقترحات عملية تجمع بين الحزم في الحق واللين في الأسلوب، لتجنب التصادم المباشر والحفاظ على ودّ العلاقة:

أولاً: أسلوب "توثيق الحق" (المصارحة الهادئة)

إذا كان الزوج يمر بضائقة مالية حقيقية وتحبين مساعدته بذهبكِ، لكنكِ تخشين ضياع حقكِ مستقبلاً، يمكنكِ قول: "أنا أقدر الظرف الذي تمر به، ومستعدة للوقوف بجانبك بذهبي مع أنه عزيز عليّ لكنك أعز منه. ولأن الأمور المالية قد تسبب حساسية بين الزوجين، ما رأيك أن نكتب ورقة بسيطة (وصل أمانة أو إقرار) بقيمة الذهب كدَين، لضمان حقي ولتكون ذمتك بريئة أمامي؟ هذا يريح قلبي ويحفظ الود بيننا".

 

ثانيًا: أسلوب "الارتباط العاطفي بالذهب" (للمنع اللبق)

إذا كنتِ لا ترغبين في التفريط بالذهب أبدًا، يمكنكِ استخدام الأسلوب العاطفي الذي يحرج الزوج أدبيًّا: "هذا الذهب ليس مجرد معدن أو مادة بالنسبة لي، فهو هدية منك (أو من أهلي) في أجمل أيام حياتنا، وله معزة خاصة في قلبي تذكرني ببدايتنا. لا أريد أن يأتي يوم وأتذكر أنني بعته، بل أحب أن أرتديه دائمًا لأتذكر فضلك وكرمك. هل يمكننا البحث عن حل آخر بعيدًا عن هذه الذكرى الجميلة؟".

ثالثًا: أسلوب "الاستشارة الخارجية" (إبعاد الحرج عنكِ)

​​

"لقد استشرت والدتي (أو شخصًا حكيمًا) في الأمر، ونصحتني بشدة ألا أفرط في ذهبي لأنه "سند المرأة" وذخر للأيام الصعبة والظروف الطارئة جدًّا التي قد تواجه أسرتنا مستقبلاً (كأزمة صحية أو تعليم الأبناء). دعنا نحتفظ به كخط دفاع أخير لا نمسه إلا في الضرورة القصوى التي لا حل غيرها".

رابعًا: التوثيق الصامت

 

إذا شعرتِ بضغط كبير واضطررتِ للبيع، احرصي على الاحتفاظ بفواتير الذهب الأصلية وصور منها، وحاولي أن يتم البيع في حضور شاهد أو عبر تحويل بنكي لقيمة الذهب من المشتري لحسابكِ الخاص، ليكون هناك أثر قانوني.

 

وفقكم الله إلى ما يحب ويرضى، والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

هل تحسب الشبكة والهدايا من الصداق عند الطلاق؟

الرابط المختصر :