الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
76 - رقم الاستشارة : 4431
27/03/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا شاب عمري 26 عامًا، وأكتب إليكم طالبًا مشورتكم ونصيحتكم في أمر يشغل بالي كثيرًا.
الحمد لله، حصلت على قبول جامعي في أكثر من جامعة في بريطانيا لدراسة البكالوريوس في تخصص العلوم السياسية والعلاقات الدولية، ولدي طموح كبير لإكمال مسيرتي الأكاديمية حتى درجة الماجستير والدكتوراه في هذا المجال. وفي المقابل، عرضت عليّ عائلتي دعمي ماديًا لبدء مشروع تجاري وفتح محل في مدينتنا، وهو خيار أراه فرصة جيدة أيضًا لبناء مستقبل عملي.
يزيد من حيرتي وضع والدي الصحي، حيث أُصيب مؤخرًا بمرض نادر (التصلب الضموري الجانبي)، وقد فقد القدرة على الكلام، بينما حالته الصحية العامة مستقرة ولله الحمد. ونحن أسرة مكونة من والدتي واثنين من إخوتي ونعيش معًا في منزل واحد.
أجد نفسي حائرًا بين خيارين مهمين: السفر لإكمال دراستي وتحقيق طموحي العلمي. أو البقاء مع أسرتي، خاصة في ظل ظروف والدي، وبدء مشروع تجاري. علمًا بأن لدي شغفًا حقيقيًا بكلا المسارين (الدراسة والتجارة)، وأنا شخص طموح وأسعى لأن أكون ذا أثر نافع لديني ولعائلتي ووطني ولأمتي لا أريد أن أكون نسخة مكررة.
لذلك أرجو منكم التكرم بمشاركتي آرائكم ونصائحكم، وما ترونه الأصلح في مثل حالتي جزاكم الله خيرًا، وبارك فيكم.
مرحبًا بك يا ولدي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأحيي فيك هذا الحرص على التوفيق بين مستقبلك الشخصي وواجبك العائلي. وأسأل الله العلي القدير أن يشفي والدك شفاءً لا يغادر سقمًا، وأن يربط على قلوبكم، وأن يكتب لك التوفيق والسداد في كل خطوة تخطوها، ويجعل في حيرتك هذه مخرجًا قريبًا وخيرًا وفيرًا، وبعد...
إنك تقف اليوم أمام مفترق طريقين، كلاهما يحمل طابعًا نبيلًا؛ فطلب العلم فريضة ورفعة، والبر بالوالدين والسعي في الرزق عبادة وقربة. ولكي نصل معًا إلى الرؤية الأوضح، دعنا نفصل في جوانب استشارتك بعمق وتأنٍّ:
مقام بر الوالدين وأثره في البركة
إن إصابة الوالد -أطال الله في عمره- بمرض التصلب الضموري الجانبي ليس أمرًا هينًا. ورغم أن حالته مستقرة الآن، فإن هذا المرض يحتاج إلى رعاية نفسية وحضور معنوي كبير من الأبناء. فوجودك بجانبه في هذه المرحلة ليس مجرد واجب، بل هو نوع من أنواع الجهاد الذي يفتح لك أبواب التوفيق في الدنيا والآخرة.
يقول الله تعالى في محكم تنزيله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء: 23]. تأمل يا بني في قوله: ﴿عِندَكَ﴾، فهي تشير إلى القرب المكاني والمعايشة، والوالد في حالته الحالية التي فقد فيها القدرة على الكلام، أحوج ما يكون لرؤية أبنائه حوله، يفهمون إيماءاته ويؤنسون وحشته.
وقد جاء في الحديث الشريف أن رجلًا استأذن النبي ﷺ في الجهاد، فقال: «أحيٌّ والداك؟» قال: نعم، قال: «ففيهما فجاهد» [متفق عليه]. وإذا كان العلم جهادًا، فإن بر الوالد المريض جهادٌ يُقدَّم عليه في مثل هذه الظروف الاستثنائية.
الموازنة بين الطموح العلمي والواقع العملي
تخصص العلوم السياسية والعلاقات الدولية تخصص رفيع ويحتاج إلى ذهن متفرغ وبيئة بحثية، والسفر إلى بريطانيا فرصة ذهبية بلا شك. ولكن، دعنا ننظر للأمر بمنظار الأولويات:
- الدراسة: يمكن تأجيلها، أو البحث عن بدائل (مثل الدراسة عن بُعد في بعض مراحلها، أو الانتساب لجامعات محلية عريقة، أو تأجيل القبول لعام واحد لاستجلاء وضع الوالد الصحي).
- الوالد: الوقت معه غير قابل للاسترداد. إن اللحظات التي تقضيها معه الآن، والخدمة التي تقدمها له، لن تعوضها أعظم الشهادات الأكاديمية لاحقًا.
كان أويس القرني من كبار التابعين فضلًا ومكانة، ومنعه بره بوالدته من السفر للقاء النبي ﷺ، فمدحه النبي ﷺ غيبًا وقال عنه: «له والدة هو بها برُّ، لو أقسم على الله لأبره» [رواه مسلم]. لقد نال أويس أعلى المقامات بمكثه عند قدمي أمه.
- المشروع التجاري: بدء مشروع تجاري بدعم عائلي في مدينتك ليس مجرد خيار بديل، بل هو فرصة لتحقيق الاستقلال المالي المبكر، والبقاء في دائرة الأمان الأسري. إن التجارة في الإسلام مهنة شريفة، وقد قال النبي ﷺ: «التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء» [رواه الترمذي].
إن بقاءك في مدينتك يمنحك:
1- القدرة على رعاية الوالد: ومساندة والدتك وإخوتك في تحمل الأعباء النفسية والجسدية للتمريض.
2- بناء كيان اقتصادي يجعلك قادرًا مستقبلًا على تمويل دراساتك العليا بنفسك دون أن تكون عبئًا على أحد.
3- التطبيق العملي، فتخصص العلوم السياسية يحتاج إلى وعي بالواقع، وإدارة مشروع تجاري والاحتكاك بالناس في السوق ينمي لديك مهارات التفاوض، والإدارة، وفهم حركية المجتمع، وهي مهارات تصب في جوهر تخصصك مستقبلًا.
خارطة الطريق المقترحة:
بناءً على ما ذكرت، أرى يا ولدي أن الأنسب لحالتك -والله أعلم- هو «توطين طموحك» في هذه المرحلة، وذلك عبر الآتي:
1- الاستخارة: صلِّ صلاة الاستخارة بيقين، واسأل الله أن يختار لك ما فيه خير دينك ودنياك.
2- تأجيل السفر لا إلغاؤه: حاول مخاطبة الجامعات البريطانية لتأجيل قبولك مدة عام واحد. هذا سيمنحك وقتًا لترتيب أمور المشروع التجاري، والاطمئنان على استقرار وضع الوالد الصحي وطريقة التعامل مع مرضه.
3- البدء في المشروع: ابدأ المشروع التجاري بجدية، واجعله وسيلة لخدمة أهلك ونفع مجتمعك.
4- تطوير الذات: لا تنقطع عن شغفك. يمكنك البدء بقراءة المراجع الأساسية في العلوم السياسية، أو الالتحاق بدورات تخصصية عبر الإنترنت، حتى تظل متصلًا بمجالك العلمي.
وختامًا يا بني، إن الأثر النافع الذي تطمح إليه يبدأ من الدائرة الصغرى (الأسرة). فمن لم يكن فيه خير لأهله، قلَّما يكون فيه خير لأمته. إن وقوفك بجانب والدك في صمته وضعفه، هو أبلغ درس في العلاقات الإنسانية والسياسة الأخلاقية التي لن تتعلمها في قاعات المحاضرات. ثق بأن الله سيعوضك خيرًا عما قد تظن أنك تضحي به، فما تَرَك أحد شيئًا لله إلا عوَّضه الله خيرًا منه.
أسأل الله العظيم، رب العرش العظيم، أن يشفي والدك شفاءً تامًا، وأن يبارك في عمره، وأن يلهمك الرشد والصواب، ويفتح لك أبواب الرزق والعلم من حيث لا تحتسب، ويجعلك قرة عين لوالديك ونبراسًا يضيء لأمتك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
روابط ذات صلة: