الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الأخلاق والمعاملات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
98 - رقم الاستشارة : 5542
08/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
أنا طالب في السنة الثالثة بكلية الهندسة. توفي والدي منذ عدة سنوات، وأعيش مع والدتي التي تتعب كثيرا لأجل رعايتي، وأنا أحبها كثيرًا وأسعى جاهدًا لرضاها وإسعادها.
منذ حوالي عامين، بدأت أستمع في أوقات فراغي إلى الدروس الشرعية الميسرة عبر الإنترنت لكبار العلماء والفضلاء الموثوقين، وأحرص على حفظ القرآن الكريم، كما أكرمني الله برفقة صالحة من زملائي في الكلية؛ شباب متفوقون دراسيًا وأصحاب خلق، نُعين بعضنا على الطاعة والمذاكرة ونبتعد عن الفتن.
لكن والدتي شديدة التأثر بما يُعرض في بعض وسائل الإعلام والبرامج التلفزيونية التي تربط بين التدين والالتزام الأخلاقي وبين التطرف الفكري أو الاضطرابات النفسية والانعزال. وأصبحت تعيش في حالة رعب وقلق دائم عليّ، وبدأت تفرض عليّ قيودًا صارمة، ومن ذلك أنها تمنعني من سماع الدروس الشرعية أو المحاضرات في البيت، حتى لو كنت أضع سماعات الأذن، بل وتغضب وتنزعج جدًا إذا رأتني أستمع لتلاوة القرآن، وتدعوني إلى إغلاقه بدعوى أنه يسبب لي "الكآبة والإحباط والاعتلال النفسي"!
وكذلك تمنعني من التواصل أو الخروج مع أصدقائي الصالحين، وتتهمني بأنهم يسحبونني إلى طرق مشبوهة ستدمر مستقبلي.
وتكرر دائمًا أنها غاضبة عليّ، وتهددني بالدعاء عليّ إن لم أترك هذه الأمور وأعيش حياتي كبقية الشباب بالطريقة التي تراها هي مناسبة.
أنا الآن في حيرة ونزاع نفسي شديد؛ أخشى أن أكون عاقًا لوالدتي وفي الوقت نفسه أخشى على نفسي من الانتكاس والتفريط في ديني إن تركت التعلم والصحبة الصالحة التي تثبتني في هذا العصر.
فهل تجب عليّ طاعة والدتي في ترك الاستماع للعلم الشرعي والقرآن وتجنب الرفقة الصالحة؟
وهل أُعتبر عاقًا لها وتلحقني دعواتها إن خالفتها في ذلك؟
وكيف أتعامل مع مخاوفها الناتجة عن التضخيم الإعلامي دون أن أسبب لها أذى نفسيًا أو أدخل معها في جدال يؤذي مشاعرها؟
وما الوسائل العملية التي تمكنني من الموازنة بين الثبات على ديني والاستمرار في التعلم، وبين إرضاء والدتي وطمأنة قلبها؟
وجزاكم الله خيرًا.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا ولدي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك
معنا، وأسأل الله أن يبارك فيك، وأن يوفقك في دراستك، وأن يرحم والدك ويسكنه فسيح
جناته، وأن يجزيك عن والدتك خير الجزاء لإحسانك إليها وحرصك على برها، وأن يشرح
صدرها، ويزيل خوفها، ويديم بينكما المودة والرحمة، وبعد...
فإن
ما تمر به يا بني هو ابتلاء متكرر يعيشه كثير من الشباب الصالحين في هذا العصر؛
حيث تختلط المفاهيم لدى بعض الآباء والأمهات بسبب تأثير الإعلام وتعميمه غير
الواعي وغير المنضبط، ولهم بعض العذر في ذلك؛ إلا أن هذا يلقي عليك وعلى أمثالك
مسؤولية كبيرة لتصحيح هذه المفاهيم بالحوار القولي والسلوك العملي.
هل
تترك العلم الشرعي والقرآن طاعة لأمك؟
إن
ديننا يا بني يوجب بر الوالدين وإحسان صحبتهما؛ بل إن الله -تعالى- قرن حقهما بحقه
في التوحيد، فقد قال تعالى: {وقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إلا إيَّاهُ
وبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا} [الإسراء: 23]. ولكن هذا مقيد بضابط شرعي، هو ألَّا
طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
وقد
أجمع العلماء على أن الطاعة الواجبة للوالدين إنما تكون في «المعروف»، أي فيما فيه
منفعة لهما، ولا يلحق الولد منه ضرر شرعي أو ديني دائم.
وإن
طلب العلم الشرعي فيما يُصلح به العبد عقيدته وعبادته وأخلاقه، هو فرض عين على كل
مسلم، وحفظ القرآن وتلاوته وتدبره هو من القربات العظيمة التي لا يجوز تركها
بالكلية استجابة لرغبة الوالدين.
أما
أصدقاؤك الذين يعينونك على الطاعة والمذاكرة، فهم درعك الحصين في زمن الفتن،
وتركهم تمامًا يعرضك للانتكاس، عافاك الله.
وقد
حسم الله -تعالى- لنا طريقة التعامل مع الوالدين إذا أمرا بما يخالف الدين، فقال
عز وجل: {وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ
فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا} [لقمان: 15].
فالله -تعالى- أمر بعدم طاعتهما إذا أمرا بمعصية، وفي الوقت نفسه لم يرخِّص في
إساءة الأدب معهما؛ بل قال: {وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا}.
والخلاصة
أنه لا تجب عليك طاعة والدتك في ترك القرآن، ولا في ترك التعلم الشرعي الواجب، ولا
في مقاطعة أصدقائك الصالحين. ولكن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية الاستمرار في هذه
الخيرات دون أن تراك والدتك متمردًا، ودون أن تظهر أمامها بمظهر المخالف الذي يسير
في طريق التهلكة.
هل
تُعدُّ عاقًّا وتلحقك دعواتها إن خالفتها في ذلك؟
لا
تُعدُّ عاقًّا أبدًا إذا خالفت رغبتها في ترك العبادة وترك الرفقة الصالحة، بشرط
ألا يقترن خروجك عن أمرها بلسان حاد، أو رفع صوت، أو قطيعة، أو غضب. فالعقوق يا
بني هو إيذاؤها بالقول أو بالفعل، أما تمسكك بدينك مع استمرار خفض جناحك لها
تذللًا، ولين جانبك معها، ومصاحبتها بالمعروف، فهو محض البر.
كما
أطمئنك بأن دعاء الأم على ولدها مشروطة استجابته بأن يكون الولد ظالمًا أو عاقًّا.
أما إذا دعت الأم على ولدها وهو يحسن إليها، ويتقرب إلى الله، ودعاؤها ناتج عن خوف
وهمي أو فهم خاطئ، فإن الله تعالى -وهو الحكم العدل- لا يستجيب للدعاء المشتمل على
إثم أو قطيعة أو ظلم.
فهم
مخاوف الأم ودوافعها
إن
فهم جذور المشكلة هو نصف الحل. والدتك أرملة تعبت في تربيتك بعد وفاة والدك، وأنت
أملها الوحيد في الحياة. وعندما تشاهد البرامج الإعلامية والأفلام والمسلسلات التي
تربط بين المظاهر الدينية وبين التطرف أو الفشل الدراسي أو الاضطراب النفسي، ينعكس
ذلك في عقلها الباطن على شكل رعب حقيقي من أن تفقدك.
إن
أمك يا ولدي لا تحارب القرآن لأنها تكره القرآن! مطلقًا؛ بل تحارب الصورة الذهنية
التي شكلها الإعلام في رأسها، ومفادها أن هذا الطريق ينتهي بابنها إلى التطرف
والعزلة أو يلحقه ببؤرة مشبوهة تدمر مستقبله.
عندما
أسلم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أقسمت أمه -وكانت تحبه حبًّا جمًّا- ألا تأكل
ولا تشرب ولا تستظل حتى يكفر بمحمد ﷺ،
وتدهورت حالتها حتى أشرفت على الموت لكي تضغط عليه عاطفيًّا.
ماذا
فعل سعد؟ جاء إليها وقال لها بثبات وبمحبة: «يا أمَّاه، واللهِ لَوْ كَانَتْ لَكِ
مِائَةُ نَفْسٍ فَخَرَجَتْ نَفْسًا نَفْسًا مَا تَرَكْتُ دِينِي هَذَا لِشَيْءٍ،
فَكُلِي إِنْ شِئْتِ أوْ اتْرُكِي» [رواه ابن حبان]. فلما رأت جديته وثباته مع
أدبه ولينه، أكلت.
كيفية
التعامل مع مخاوف الأم
إن
أفضل ما يمكن أن تطمئن به والدتك، وتهدئ مخاوفها، هو امتصاص تلك المخاوف وعدم
الجدال معها. فإذا بدأت تتحدث معك في الأمر وتحذرك، فلا تدخل معها في نقاش فكري
ولا ديني ولا سياسي، ولا تدافع عن الشيوخ والعلماء أمامها؛ لأن الجدال يرسخ خوفها،
ويشعرها بأنك أصبحت مؤدلجًا ومؤطرًا. بل استبدل بالنقاش والجدال الاحتضان
والعاطفة، فعندما تقول لك: «هذا الطريق سيضيعك»، انحَنِ على يدها وقبِّلها وقل
لها: «يا أمي، أنت دنياي، وأنا أدرس وأجتهد وأعمل كل ما أظنه خيرًا لأجل إسعادك،
وأنا أحرص الناس على مستقبلي لكي أرفع رأسك».
وحاول
ألا تظهر أمامها حزينًا ولا واجمًا ولا مكتئبًا، فستربط ذلك فورًا بالقرآن
والدروس؛ بل كن أمامها مبتسمًا دائمًا، طلق الوجه، مليئًا بالنشاط والحيوية.
وإليك
بعض النصائح العملية التي تُمكنك من التحصيل الشرعي والصحبة الصالحة دون إثارة
حفيظة والدتك:
1- تغيير طريقة استماعك للعلم: لا تستمع للدروس ولا القرآن عبر مكبرات الصوت أو أمام
عينيها؛ بل استخدم سماعات الأذن أثناء تنقلك في الكلية، أو في طريقك، أو في غرفتك
المغلقة بهدوء. وبدلًا من تشغيل تلاوات لقراء يرفعون أصواتهم ويبكون، قد تفهمها هي
على أنها «كآبة»، قم بتشغيل سور مثل «الرحمن»، أو «يوسف»، أو «البقرة»، بصوت قارئ
ذي صوت جميل هادئ مبهج ينفي الحزن، واجعل الصوت خفيضًا في البيت، وقل لها: «هذا
القرآن يطرد الشياطين، ويبارك لنا في البيت يا أمي».
شغِّل
من حين لآخر بصوت مسموع لها دروسًا عن بر الوالدين، وحُسن الخلق، دون أن تشعر هي
بأنك تتعمد ذلك. ثم طبق محتوى الدرس فورًا معها. دعها ترى أن الدرس يجعلك أكثر
برًّا وطاعة لها، وأسرع في قضاء احتياجاتها، وأشد حنوًّا عليها.
2- إدارة ملف الصحبة الصالحة بحكمة: قدِّم أصدقاءك لها بصفتهم الدراسية، فلا تقل لها:
«إخوتي في الحلقة»، أو: «أصحابي الملتزمون»؛ بل قل مثلًا: «زميلي المهندس فلان،
الأول على الدفعة»، «زميلي فلان الذي أذاكر معه مادة كذا».
كما
حاول إدخالهم إلى دائرة أمانها إذا كان ذلك ممكنًا، فمثلًا: دع أحد أصدقائك
المتميزين خلقًا ودراسة يزورك في البيت ليُسلِّم عليها ويشتري لها هدية بسيطة،
لترى بنفسها أنه شاب مهذب ومتفوق وصاحب خلق مستقيم.
وحبذا
لو قصَّرت فترة وجودك خارج البيت في غير مواعيد الكلية، حتى لا يدخل الشك إلى
قلبها.
3- أغدق عليها من عاطفتك وخدماتك: بالغ في إظهار محبتك لها، واملأ فراغها العاطفي،
اصنع لها الشاي بنفسك، قبِّل رأسها ويدها عند الخروج والدخول، اشترِ لها شيئًا
تحبه دون مناسبة، ساعدها في أعمال البيت، على الأقل تنظيف غرفتك وترتيبها، لتربط
بين تدينك وبين برك لها، وتطمئن لأثر سماعك للدروس وقراءتك للقرآن ومصاحبتك
للصالحين.
4- التفوق الدراسي والتميز الاجتماعي: إن نجاحك في دراستك وتفوقك هو أكثر شيء
سيطمئنها، فاجتهد في دراستك لتحصل على أعلى الدرجات والتقديرات. وعندما ترى أمك
تفوقك الدراسي، ستبدد تمامًا الفكرة التي غرسها فيها الإعلام والتي تقول إن التدين
يؤدي إلى الفشل أو الضياع.
وختامًا
يا ولدي، استمر في طريقك بثبات وثقة، ولا يُدخلنَّ الشيطان إلى قلبك همًّا ولا
شعورًا بالإثم، فأنت على خير عظيم ما دمت تجمع بين العبادة والبر.
أسأل
الله العلي القدير أن يربط على قلبك، وأن يمدك بنور من عنده، وأن يشرح صدر والدتك
للحق، وأن يقر عينها بتفوقك وصلاحك. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى
آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة: