الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فتاوى أخرى
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
494 - رقم الاستشارة : 4374
15/03/2026
في ظل القلق الذي يعيشه كثير من الناس هذه الأيام بسبب الأخبار المتداولة عن توتر أو احتمال وقوع حرب بين الولايات المتحدة وإيران، وما قد ينعكس على دول الخليج العربي والمنطقة، بدأ بعض الناس يربط هذه الأحداث بأحاديث الفتن وأشراط الساعة، ويستدلون بعدة أحاديث نبوية، منها:
1. حديث أم شريك رضي الله عنها أن النبي ﷺ قال في شأن المسيح الدجال: «يَفِرُّ الناسُ من الدجال في الجبال»، فقالت: يا رسول الله فأين العرب يومئذ؟ قال: «هم قليل». رواه مسلم بن الحجاج في صحيح مسلم.
2. وحديث زينب بنت جحش رضي الله عنها أن النبي ﷺ دخل عليها فزعاً يقول: «لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب». رواه محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج في صحيحيهما.
3. وما رُوي عن أبو هريرة رضي الله عنه: «أول الناس هلاكاً فارس ثم العرب إلا بقايا هاهنا» يعني: الشام. وقد ذكر بعض أهل العلم أن في إسناده خلافاً بين المحدثين.
لذلك نرجو من فضيلتكم بيان ما يلي:
هل يجوز ربط الأحداث السياسية المعاصرة بهذه الأحاديث؟
وهل تدل هذه النصوص على أن العرب سيفنون أو يقلّ عددهم قبل قيام الساعة؟ وما المنهج الصحيح في فهم أحاديث الفتن وأشراط الساعة وعدم إسقاطها على كل حدث يقع في زماننا؟
نرجو منكم التوضيح والنصح بما يطمئن قلوب المسلمين ويرشدهم إلى الفهم الصحيح.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
إن مسألة ربط الأحداث السياسية المعاصرة بأحاديث الفتن وأشراط الساعة من القضايا التي تثير قلقًا كبيرًا، وتتطلب بصيرة شرعية ومنهجًا علميًّا منضبطًا لتجنب السقوط في الأوهام أو بث الذعر غير المبرر.
أولاً: المنهج الصحيح في تنزيل أحاديث الفتن على الواقع
يقرر العلماء أن الأصل في أحاديث الفتن أنها من "الغيب" الذي لا يعلم تأويله الحقيقي إلا الله، أو حين وقوعه بالشكل الذي لا يدع مجالاً للشك. ومن المخاطر المنهجية ما يسمى "الإسقاط التعسفي"، وهو ربط حديث بعينه بحدث سياسي معاصر دون دليل قطعي.
والمنهج القويم يعتمد على:
عدم الجزم بالتنزيل: لا يجوز لأحد أن يقول "هذا الحديث يُقصد به الحرب الفلانية" على وجه القطع؛ لأننا بذلك نتقول على الله ورسوله بغير علم. فربما وقعت حروب وفتن كثيرة وبقي الزمان طويلاً قبل قيام الساعة، وفي تراثنا حديث مكرر عن أن زمانهم آخر الزمان، كما حدث مع التتار، والصليبيين، والاحتلال الحديث المسمى استعمارًا.
الفتن تتكرر: تاريخ الأمة شهد حروبًا طاحنة (مثل غزو التتار وسقوط بغداد) ظن الناس وقتها أنها القيامة، ثم انجلت الفتن واستمرت الحياة.
الثمرة هي العمل لا التكهن: الغرض من أحاديث الفتن هو الاستعداد بالعمل الصالح والتمسك بالدين، وليس الانشغال بتحليل السياسة وتوقع التواريخ.
ثانيًا: فهم الأحاديث المذكورة ودلالتها على "فناء العرب"
1. حديث "هم قليل" (المسيح الدجال)
هذا الحديث صحيح، لكنه يتحدث عن زمن خروج الدجال تحديدًا، وهو من أواخر أشراط الساعة الكبرى.
المعنى: قلة العرب في ذلك الوقت لا تعني فناءهم بالحروب بالضرورة، بل قد يكون بسبب تركزهم في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس كما جاء في روايات أخرى، أو نتيجة الملاحم التي تسبق الدجال.
التوجيه: لا يصح ربط توتر سياسي اليوم بقلة العرب في زمن الدجال، فبيننا وبين الدجال أحداث عظام لم تقع بعد (مثل المهدي، والملحمة الكبرى).
2. حديث "ويل للعرب من شر قد اقترب"
هذا الحديث قاله النبي ﷺ حين فُتح في ردم (سد) يأجوج ومأجوج فجوة صغيرة.
المعنى: "الويل" هنا تحذير من فتن تقع في الأمة، وقد وقع الكثير منها عبر التاريخ (كفتنة مقتل عثمان رضي الله عنه، وغيرها).
والحديث عام في التحذير من المعاصي والفتن التي تضعف كيان العرب والمسلمين، وليس بالضرورة إشارة إلى حرب عالمية مفنية في عصرنا الحالي.
3. أثر "هلاك فارس ثم العرب"
هذا الأثر الذي يُروى عن أبي هريرة، كما أشرتم، فيه كلام لأهل العلم من حيث السند، ولكن من حيث المتن: زوال ملك فارس: قد وقع بالفعل بفتح بلاد فارس في عهد عمر رضي الله عنه، وانتهى ملكهم تمامًا.
هلاك العرب: يُفسره العلماء بأنه "ذهاب الملك" أو "تسلط الأغيار"، وليس بالضرورة الإبادة الجماعية لكل من ينطق بالعربية.
ثالثًا: هل تدل النصوص على فناء العرب؟
النصوص الشرعية تدل على أن الإسلام سيبلغ ما بلغ الليل والنهار، وأن طائفة من هذه الأمة (وهم في الغالب من العرب وغيرهم من المسلمين) سيبقون ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله.
البقاء حتى النهاية: العرب هم مادة الإسلام، والقرآن نزل بلغتهم، والأحاديث تبشر ببقاء المسلمين في بيت المقدس والشام يقاتلون على الحق.
الريح الطيبة: في نهاية الزمان، يقبض الله أرواح المؤمنين بريح طيبة فلا يبقى إلا شرار الخلق، وهذا يكون بعد نزول عيسى عليه السلام وقتل الدجال، أي في نهاية الدنيا تمامًا.
نصيحة وتوجيه لطمأنة القلوب
التعلق بالله لا بالأحداث: المؤمن لا يضطرب مع كل خبر سياسي، بل يعلم أن الأمور بيد الله {اللهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ}.
الاستعداد بالعمل: عندما سُئل النبي ﷺ: "متى الساعة؟"، قال: «ما أعددت لها؟». هذا هو المنهج؛ انشغل بما هو مطلوب منك من صلاة، وصدق، وبر، وعمل نافع.
تجنب الشائعات: كثرة تداول هذه التفسيرات تؤدي إلى الإحباط واليأس، وهو عكس مقصود الشرع الذي يدعو للتفاؤل حتى في أصعب الظروف.
الأمة لا تجتمع على ضلالة: والخير باقٍ في هذه الأمة إلى يوم القيامة، ومنطقة الخليج والمنطقة العربية مرت بأزمات وحروب كثيرة وخرجت منها بفضل الله.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة: