بين فضح الفاسدين والتشهير بمستوري الحال.. الضوابط والمحاذير

<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فضيلة الشيخ. نريد أن نسأل عن ظاهرة انتشرت هذا الأسبوع على مواقع التواصل لتحويل أخطاء الناس أو خصوصياتهم إلى فضائح. لدينا حادثتان مختلفتان في الظاهر، لكنهما تشتركان في سؤال جوهري واحد: هل نشر محادثات أو أخطاء شخص بقصد فضحه والتشهير به جائز شرعاً؟ وكيف ينظر الإسلام إلى كشف خصوصيات الإنسان أمام الناس؟</p><p> الحادثة الأولى في سوريا، انتشرت قضية تتعلق بأحد علماء الدين المعروفين من المرحلة السابقة في سوريا، حيث تم تداول محادثة خاصة منسوبة إليه مع امرأة وقيل إن فيها كلام ذا طابع عاطفي. وبغض النظر عن صحة هذه المادة من عدمها، فقد تحولت إلى موجة من التشهير والسخرية والطعن. فما الحكم الشرعي في نشر محادثة خاصة بقصد فضح صاحبها والتشهير به، سواء كان عالماً أو شخصاً عادياً؟ وهل يجوز ذلك إذا كان الاختلاف معه في آرائه الفقهية أو الفكرية، أو حتى إن ثبت أنه ارتكب معصية في حياته الخاصة؟ وما الحكم في من يتداول تلك المواد ويشاركها ويساهم في التشهير؟</p><p> ثانياً الحادثة الثانية التي انتشرت في مصر، حيث ظهر مقطع يُقال إنه لزوج يضرب زوجته ويصورها ويجبرها على كشف محادثاتها الخاصة أمام الكاميرا ثم انتشر المقطع بين الناس. فلو افترضنا أن الزوجة أخطأت، فما حكم أن يقوم الزوج بتعنيفها وإجبارها على كشف محادثاتها ثم تصويرها ونشرها؟ وكيف عالج الإسلام مثل هذه الحالات؟ هل يكون العلاج بالانتقام والتشهير أم أن للشريعة طريق آخر لمعالجة الخيانة الزوجية أو الشك فيها؟</p><p> وأخيراً السؤال الجامع بين الواقعتين. هل يبيح اختلافنا مع إنسان في الدين أو الفكر أو السياسة أن ننتهك خصوصيته ونشهّر به؟ وكيف عالج الإسلام أخطاء الناس وفضائحهم وخصوصياتهم؟ وما الضابط بين النصيحة والنقد والإبلاغ المشروع وبين التشهير والانتقام وهتك الستر؟</p>

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن حماية الأعراض وصيانة الخصوصيات والزجر عن تتبع العورات من الأصول القطعية في الشريعة الإسلامية؛ حتى إن حماية العرض واحد من مقاصد خمسة عليا تمثل مبادئ وأهداف الشرع الحنيف، فقد أقام الإسلام العلاقات بين الناس على الستر والمروءة والعدل، وحرّم التجسس وهتك الستر والتشهير بالأفراد، وسدّ كل طريق يؤدي إلى إشاعة الفاحشة بين المؤمنين أو اتخاذ أخطاء الناس ومحرماتهم وسائل للانتقام والتشفي.

 

اختصارًا: لا تساس الدنيا على ميزان واحد؛ ففي السنة «بئس أخو العشيرة» و«كُلُّ أُمَّتِي مُعَافًى إِلاَّ الْمُجَاهِرِينَ» وفيها «فَهَلاَّ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ؟» وقد جمع الإمام النووي رحمه الله في رياض الصالحين وشرح صحيح مسلم الأسباب الشرعية التي تباح فيها غيبة الشخص أو ذكره بما يكره، وخص منها سببين ينطبقان على المعنى المسؤول عنه:

 

تحذير المسلمين من الشر ونصحهم: كبيان حال أهل البدع والفساد، أو أهل النصب والاحتيال، أو تحذير من يستشيرك في معاملة أو مصاهرة شخصٍ ما.

 

المجاهر بالفسق أو البدعة: كالمعلن بشرب الخمر أو المجاهر بظلم الناس، فيجوز ذكره بما يجاهر به فقط دون العيوب المستورة منه.

 

ومن المؤكد أن لكل حالة بعينها حكمها المناسب لها دون غيرها، ولكن على سبيل العموم فنشر المحادثات والتشهير بالأشخاص: محرم شرعًا ومن كبائر الذنوب، سواء كان المستهدف عالمًا أو عاميًّا، وسواء كنا نختلف معه فكريًّا وسياسيًّا أم لا؛ فالخصوصيات والمحادثات لها حكم الأسرار وحرمة العورات. وتداول هذه المواد ونشرها مشاركة صريحة في الإثم وإشاعة الفاحشة.

 

وتفصيلاً:

 

بالنسبة لحادثة الزوج، ما وصل إلى علمي منها أنه اكتشف علاقة محرمة بينها وبين جارهم، فأراد أن يفارقها، ولكن لأنه يعلم أنها طبقًا للقوانين سوف تقاضيه وتطالبه بما لا طاقة له به من المؤخر والمتعة والنفقة والشقة على الرغم من خيانتها فقد أراد أن يوثق الحالة حتى يحمي نفسه منها ومن أهلها، ونشر المادة جاء بعيدًا عنه ممن حصل على المادة من هاتفه بعد بيعه، فإن صدقت الرواية، فالرجل معذور، وإن كان عليه أن يتوخى الحذر حتى لا يقع هذا في يد من يعبث به طلبًا للمشاهدات والتفاعل.

 

وبالنسبة للحادثة الأخرى، فالرجل يلقى من عوام الناس الذين قد لا يسأل أحدهم ولا يهتم بحكم الشرع جراء ما حمل على عاتقه من دماء، وما برره للظلمة من الفجر والقتل والتعذيب، فهذا ليس خلافًا سياسيًّا، بل جرائم حرب لا تسقط بالتقادم، ولا يمكن لوم الناس إن فرحوا أو شمتوا أو تشفوا، فقوانين الأرض لا تفي بحساب الرجل، ولا يسعه إلا عدل السماء.

 

وكثير أمثاله في كل قطر، لا يمكن تقديمهم للمحاكمة والحساب، فلا أقل من محاكمة شعبية قد تردع أمثاله، حين يرون الظالم تحت نعال الخلق، وفي الحديث [أنتم شهداء الله على خلقه].

 

الفرق بين ستر العاصي وفضح الفاجر: الأصل الوجوبي هو الستر على من وقع في معصية خاصة لم يجاهر بها ولم يتعدّ ضررها للغير. أما التحذير أو التشهير، فلا يكون إلا في حق المجاهر بالفسق الشديد الذي يتحدى الشرع، أو من يتعدى شرّه وضرره المتعدي إلى الآخرين كالنصاب والمغتصِب، ويكون التشهير حينئذٍ بضوابط شرعية عبر القضاء والجهات المختصة إن أمكن لمنع ضرره.

 

حرمة التجسس وهتك الستر وتتبع العورات:

 

جاء في الحديث الصحيح عن النبي: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ، لاَ تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ المسلم تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ» رواه أبو داود.

 

وقال الإمام ابن رجب الحنبلي في كتابه الفرق بين النصيحة والتعيير ص: 35: "فاعلم أن التحديث بذنب الإنسان ومساوئه إن كان على وجه التشهير به فهو التعيير المحرم الذي نهى الله عنه، وإن كان على وجه النصيحة والستر فهو مما أمر الله به ورسوله... والفرق بينهما أن النصيحة تقترن بالستر، والتعيير يقترن بالفضيحة".

 

ضابط التفرقة بين "ستر مستور الحال" و"فضح المجاهر":

 

قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم 16/135 تعليقًا على حديث «مَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ»: "الستر المأمور به هنا المراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس هو معروفاً بالأذى والفساد، فأما المعروف بذلك فيستحب ألا يُستر عليه، بل يُرفع أمره إلى ولي الأمر إن لم يخَف من ذلك مفسدة؛ لأن الستر على هذا يطمعه في الإفراط في الأذى والفساد... وأما أصل المعصية التي لا تتعدى ولا يجاهر بها صاحبها، فالستر عليها واجب".

 

وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري 10/488: "من قصد بالتشهير إظهار عيب أخيه وإلحاق النقص به، فهذا هو المحرم. أما من رفع أمر المجاهر أو المفسد للسلطان ليدفع شره عن الناس فليس بمحرم بل هو واجب أو مستحب".

 

وجاء في المغني لابن قدامة 8/104: "إذا رأى الرجل مع زوجته ما يريب، فليس له أن يقتلها ولا أن يعذبها، بل إما أن يستر أو يطلق، أو يرفع أمرها للقضاء، فإن ادعى الزنا لزمه اللعان أو إقامة البينة، ولم تجز الشريعة التشهير والهتك بين الناس؛ لما فيه من إشاعة الفاحشة في المجتمع".

 

القواعد الفقهية الحاكمة في فضح الفاسدين والتشهير بمستوري الحال:

 

قاعدة «الأصل في الأموال والدماء والأعراض التحريم»: وهي قاعدة قطعية؛ فلا يحل انتهك عرض مسلم بناءً على تسريبات أو تجسس أو خصومة شخصية.

 

قاعدة «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»: فلو فرضنا وجود مصلحة في نقد شخص، فإن مفسدة نشر الفاحشة والتشهير وتتبع العورات تزيد وتوجب التوقف والستر.

 

قاعدة «الضرر يزال، ولا يُزال الضرر بالضرر»: فلا يجوز معالجة خطأ أو شك زوجي بالضرب وإهانة الكرامة وإشاعة المقطع الفاضح؛ لأن التشهير ضرر متعدٍّ أشد خطرًا من الذنب المستور.

 

قاعدة «التعزير والعقوبات حق لولي الأمر والقضاء لا للآحاد»: إقامة الأحكام وإنكار المنكرات المحتاجة لإثبات من اختصاص القضاء والجهات الشرعية والرسمية، وليست متروكة لمنصات التواصل والرأي العام لتنصيب محاكم للفضيحة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

نشر الجرائم على العلن إنكار للمنكر أم إشاعة للفاحشة؟

ضوابط النقد الذاتي الدعوي بين الإصلاح والتشهير