هل ساهمت المرأة المسلمة في الحركة العلمية في التاريخ الإسلامي أم أن مزاعم المستشرقين حول غياب المرأة من المحال العام كان هو السائد؟
أخي
الكريم، هناك
رغبة من بعض المدارس الاستشراقية ومناصريهم في عالمنا الإسلامي لتصدير صورة سلبية
عن حضارتنا الإسلامية، وبخاصة حضور المرأة في المجال العلمي، إذ يُروجون ادعاءات
بأن المرأة لم تكن لها مساهمة علمية، وأنها كانت بعيدًا عن ساحات العلم والمعرفة
تلقيًا وعطاءً.
حضور
مميز للمرأة في الحضارة الإسلامية
في
استشارة سابقة بعنوان "دور المرأة في الحضارة الإسلامية" ذكرنا جانبًا من عطاء المرأة المسلمة
العلمي ومساهمتها في الحركة العلمية، وقلنا إن كثيرًا من كبار الفقهاء والعلماء
كان في عداد مشيختهم كثير من العالمات والفقيهات والقارئات، وذكرنا مثالاً بالمؤرخ
الكبير "الخطيب البغدادي" في القرن الخامس الهجري، حيث ألّف كتابًا
أسماه "معجم النسوان" ترجم فيه لحوالي (80) امرأة كنّ شيخاته في
العلم، وتذكر بعض الدراسات أن عدد المحدثات في مصر والشام خلال القرن السابع
والثامن الهجريين زاد على (330) محدثة، ولا يوجد أحد من كبار المحدثين أو الحفاظ
خلال تلك الفترة إلا وكانت المرأة في عداد أشياخه أخذًا ورواية.
نشير-مثلاً-
إلى الأندلس حيث حظيت المرأة بمكانة كبيرة في الجانب العلمي فبرعت في العلوم
والآداب والفنون، ويكفي شهادة الفقيه والفيلسوف "ابن حزم" (456هـ) الذي
قال في رسالته "طوق الحمامة": "ولقد شاهدتُ النّساء، وعلمتُ من
أسرارهنّ ما لا يكاد يعلمه غيري، لأني رُبّيتُ في حجورهنَّ، ونشأتُ في أيديهنَّ،
ولم أعرف غيرهنَّ، ولا جالستُ الرّجال، إلا وأنا في حدِّ الشّباب وحين تبقّل وجهي،
وهنّ علمنني القرآن، وروينني كثيرًا من الأشعار، ودربنني في الخط".
وكان
في قرطبة لوحدها ما يقارب (170) امرأة يكتبن القرآن بالخط الكوفي، علاوة على فهم
الحديث الشّريف وروايتهِ، فلا يقل عدد الراويات عن الحافظات، وكانت هناك امرأة
تدعى "عابدة المدنية" كانت تروي عن الإمام "أنس بن مالك" عشرة
آلاف حديث.
وقد
اهتمت الباحثة الماليزية "روزيه صديق" Roziah Sidik بالدور
العلمي للمرأة الأندلسية، خلال القرنين الثاني والثامن الهجريين، ورصدت دراسة لها
وجود (44) شاعرة، و(22) أديبة، (16) قارئة للقرآن الكريم، و(6) فقيهات، و(6)
محدثات.
ونشير
أيضًا إلى جانب من عطاء المرأة في علم الحديث، حيث كان منهن الراويات والحافظات
والشيخات المعلمات، ويكفي أن نشير إلى ثناء الإمام الحافظ الذهبي عليهن في كتابه
"ميزان الاعتدال" فقال: "وما علمت في النساء من اتـُّهِمتْ، أي
بوضع الحديث، ولا من تركوها" أي في الرواية عنها.
وقد
ذكر الإمام والمؤرخ "نجم الدين ابن فهد المكي" في القرن التاسع الهجري،
صاحب كتاب "إتحاف الورى بأخبار أم القرى" أنه أخذ العلم عن
(130) شيخة، وقد ترجم الحافظ ابن حجر العسقلاني في كتابه "الدرر الكامنة
في أعيان المئة الثامنة" لـ(54) شيخة له أخذ العلم عنهن، وفي كتابه
"تقريب التهذيب" ترجم لـ (277) راوية، أما المؤرخ "شمس الدين
السخاوي" (المتوفى 902هـ) فقد خصص الجزء الأخير من كتابه "الضوء
اللامع" لتراجم النساء، وذكر منهن (85) امرأة كن شيخاته.
وفي
المجال الطبي يذكر المؤرخ "أسعد داغر" في كتابه "حضارة العرب"
أن الطبيب الفيلسوف "ابن سينا" كان يستخدم قطرة بطب العيون ركبتها امرأة
خبيرة بصناعة الطب.
وختامًا أخي الكريم، الثقة في حضارتنا الإسلامية وعطاءاتها يفرض علينا الإلمام المعرفي بتاريخ
تلك الحضارة، ومعرفة روائعها، وروادها، وفهم الشبهات التي تثار حولها وكيفية دحض
تلك الشبهات.
موضوعات
ذات صلة:
دور المرأة في الحضارة الإسلامية
آداب السؤال في الحضارة الإسلامية