ما الفرق بين الشك الطارئ والوسواس الدائم؟

<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. </p><p> تعرض لي أحيانًا مواقف في العبادات والمعاملات أشك فيها هل تغير الحكم الذي كنت متيقنًا منه أم لا؟ فأحتار بين الأخذ بالاحتمال أو البقاء على الأصل الذي كنت أعلمه.<br><br></p>

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، سؤالكم يحتاج أمثلة للتوضيح، لذا سأجيب إجابة عامة مع بعض الأمثلة، فإن لم يكن هذا هو المقصود فراسلنا مرة أخرى مشكورًا، وقد فرقت الشريعة الإسلامية بين الشك لمرة واحدة أو مرات متباعدة، فلا بأس أن يتحرى المرء ويبني على ما استبان له، أما إن كان الوسواس ملازمًا فإن أول ما يقطع خيط الوسواس هو أن يطرحه الإنسان كله فلا يلتفت إليه، الشريعة الإسلامية المطهرة بنيت على التيسير ورفع الحرج عن المكلفين، ورعاية استقرار أحكام العبادات والمعاملات دون اضطراب أو قلق. ومن رحمة الله تعالى بعباده أن جعل الأحكام الشرعية تتأسس على الحقائق الثابتة والبراهين الواضحة، ولم يجعلها معلقة بالأوهام أو الشكوك الطارئة؛ وتلك حمايةً مثلى من الوقوع في حبائل الوسواس، وضمانًا لاستقرار المعاملات بين الناس، وسدًّا لأبواب الحرج والمشقة في العبادات.

 

اختصارًا:

 

الواجب الشرعي عند ورود الشك أو الاحتمال على أمر متيقن هو البقاء على الأصل المتيقن وإلغاء الشك الطارئ تمامًا.

 

فمثلاً في باب الطهارة والعبادات من تيقن الطهارة وشك في الحدث فهو طاهر، ومن تيقن الحدث وشك في الطهارة فهو محدث، ومن شك في عدد الركعات بنى على اليقين وهو الأقل. كما أن الشك بعد الفراغ من العبادة لا أثر له ولا يلتفت إليه.

 

وفي المعاملات الأصل في العقود والذمم والشروط البقاء على ما ثبت يقينًا كبراءة الذمة أو صحة العقد حتى يقوم دليل يثبت خلاف ذلك؛ فالاحتمال المجرد لا يرفع العقود ولا يفسخ الالتزامات.

 

واعلم أخي الكريم أن الأخذ بالاحتمالات والشكوك دون دليل كافٍ يفتح باب الوساوس والنزاعات، وهو مخالف للهدي النبوي والقواعد الشرعية المستقرة.

 

وتفصيلاً:

 

اتفق علماء الأمة من المتقدمين والمتأخرين على أن الأصل المتيقن لا يرتفع بالشك الطارئ، واستدلوا بالأحاديث النبوية الصحيحة والنصوص الفقهية الصريحة:

 

أولاً: من الحديث النبوي الشريف

 

عن عباد بن تميم عن عمه رضي الله عنه: «شُكِيَ إِلَى النَّبِيِّ الرَّجُلُ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاَةِ؟ قَالَ: لاَ يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا» رواه البخاري برقم 137، ومسلم برقم 361.

 

ثانيًا: موقف الفقهاء المتقدمين المذاهب الأربعة من الشك الطارئ والوسواس الدائم

 

قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم 4/ 49: «وهذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يُحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها. فمن تيقن الطهارة وشك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة، ولا فرق بين أن يستوي الشك أو يترجح أحدهما».

 

وقال الإمام ابن قدامة في المغني 1/ 211: «إذا تيقن الطهارة وشك في الحدث بنى على اليقين، وتوضأ إن شاء استحبابًا لا وجوبًا، وهذا مجمع عليه... لأن الطهارة يترتب عليها حكم شرعي ثبت بيقين، فلا يزول بشك لا يثبت به حكم».

 

وجاء في مجلة الأحكام العدلية المادة 4: «اليقين لا يزول بالشك؛ فإذا ثبت أمر بيقين فلا يُحكم بزواله إلا بدليل يوجب اليقين أو الظن الغالب».

 

وقال ابن نجيم الحنفي في الأشباه والنظائر ص 56: «الشيء المتيقن ثبوته لا يرتفع حكمه إلا بدليل قاطع، ولا أثر للشك الطارئ عليه».

 

وقال الإمام ابن عبد البر في الاستذكار 1/ 189: «أجمع العلماء على أن من تيقن الطهارة وشك في الحدث أنه على طهارته حتى يتيقن الحدث، إلا رواية عن مالك فيمن شك في الحدث وهو في غير صلاة، والرواية المعتمدة والأصل عند الجماعة طرح الشك والعمل باليقين».

 

ثالثاً: موقف العلماء المعاصرين من الشك الطارئ والوسواس الدائم

 

قال فضيلة الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله في فتاوى ابن باز 11/ 137:

 

«الواجب على المؤمن والمؤمنة طرح الشكوك والاعتماد على اليقين، فإذا تطهرت ثم شككت هل أحدثت أم لا؟ فالأصل الطهارة ولا تلتفت للشك، وهكذا لو شككت في الصلاة هل صليت ثلاثًا أم أربعًا؟ تجعلها ثلاثًا وتبني على اليقين».

 

فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين رحمه الله:

 

قال في الشرح الممتع على زاد المستقنع 1/ 302: «الشك لا يعتد به في ثلاث حالات: الأول إذا كان وهمًا لا حقيقة له، الثاني إذا كثر مع الإنسان بحيث لا يفعل فعلاً إلا شك فيه، الثالث إذا كان بعد الفراغ من العبادة؛ أما إذا كان الشك قبل الفراغ من العبادة فإنه يبني على اليقين وهو الأقل».

 

القواعد الفقهية الحاكمة في الفرق بين الشك الطارئ والوسواس الدائم:

 

قاعدة: «اليقين لا يزول بالشك»

 

الأمر أو الحكم الشرعي المستقر بيقين لا يرتفع بمجرد الشك الطارئ عليه، بل يبقى اليقين نافذًا حتى يأتي يقين آخر يزيله.

 

قاعدة: «الأصل بقاء ما كان على ما كان»

 

الحكم الصادر سابقًا كالطهارة، أو ملكية العين، أو شغل الذمة بدين، أو صحة عقد يظل مستمرًا في الحاضر والمستقبل حتى يثبت التغيير عنه بالدليل الشرعي المعتبر.

 

قاعدة: «الأصل براءة الذمة»

 

في باب المعاملات والحقوق، الإنسان يولد غير مشغول الذمة بأي حق أو دين، فإذا شك الشخص هل وجب عليه حق لغيره أم لا؟ فالأصل براءة ذمته ولا يطالب بشيء حتى يثبت الحق بيقين.

 

قاعدة: «الشك بعد الفراغ من العبادة لا يؤثر»

 

إذا أتم المسلم عبادته كالصلاة أو الصيام أو الطواف ثم طرأ عليه الشك بعد الانتهاء منها، فإنه يلغى ولا يلتفت إليه، وتعد العبادة صحيحة ومقبولة إن شاء الله.

 

قاعدة: «المشقة تجلب التيسير»

 

فتح باب الأخذ بالأوهام والاحتمالات يورث المشقة والحرَج والوسواس، ولذا جاء التيسير الشرعي بإهمال الشك والتمسك بالأصل المقطوع به. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

أنا وابنتي ووسواس الطهارة

شكوك في الطهارة والصلاة

كيف نتخلص من الوسوسة في نية الوضوء والصلاة؟