<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. </p><p> أقيم في بلد تستخدم فيه بعض المسالخ وسائل لتدويخ الدجاج والأغنام أو الأبقار قبل الذبح، ويقال إن الهدف من ذلك تقليل ألم الحيوان وتسهيل عملية الذبح. لكنني أصبحت مترددًا في شراء هذه اللحوم، وأتساءل: هل يؤثر التدويخ على صحة الذكاة الشرعية؟ وهل يختلف الحكم إذا كان التدويخ مجرد إغماء مؤقت يعود الحيوان بعده للحياة، أو كان يؤدي إلى موته قبل الذبح؟</p><p> أرجو بيان الحكم الشرعي والضوابط التي ينبغي مراعاتها في هذه المسألة، وجزاكم الله خيرًا.</p>
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، مسألة
"التدويخ" قبل الذبح من النوازل الفقهية المعاصرة، وقد تناولتها مجامع
فقهية ودور إفتاء عدة، والمدار في حكمها عند جمهور العلماء المعاصرين هو: هل تبقى
الذبيحة حية "حياة مستقرة" بعد التدويخ أم يموت الحيوان بسبب التدويخ
قبل الذبح؟
اختصارًا: إذا كان التدويخ لا يقتل الحيوان، بل يُفقده وعيه فقط ثم يبقى حيًّا حياة
مستقرة، ثم يُذبح بعد ذلك ذبحًا شرعيًّا بقطع الحلقوم والمريء وأحد الودجين (مجاري
الدم) فهذه ذكاة صحيحة والذبيحة حلال عند غالب من كتب في هذه المسألة.
أما إذا كان التدويخ يؤدي إلى موت الحيوان أو يُفضي إلى
شبه موت قبل الذبح (ومعياره لو تركت الذبيحة بعد التدويخ فإنها في الغالب تموت ولا
تعود إلى طبيعتها قبله) فالذبيحة حينئذ في حكم الميتة، ولا تحل.
آراء العلماء والمجامع الفقهية في مسألة تدويخ الحيوان قبل الذبح
مجمع الفقه الإسلامي الدولي تابع لمنظمة المؤتمر
الإسلامي، في قراره رقم 101 3/د10 بشأن الذبائح، فرّق بين وسيلتين:
منع تدويخ الدواجن بالصدمة الكهربائية، معللًا ذلك بأن
التجربة أثبتت أن هذه الطريقة تُفضي إلى موت نسبة غير قليلة من الدواجن قبل ذبحها.
وأجاز في المقابل ما ذُكّي بعد تدويخه باستعمال مزيج
ثاني أكسيد الكربون مع الهواء أو الأكسجين، أو باستعمال المسدس ذي الرأس الكروي،
بشرط ألا يؤدي ذلك إلى موته قبل تذكيته.
دار الإفتاء المصرية
بيّنت أن الأصل عدم جواز تعذيب الحيوان أو المُثلة به،
لكنها خلصت إلى أن تخدير الحيوان قبل ذبحه بوسائل يقررها المتخصصون تخديرًا خفيفًا،
أو صعقا كهربائيا أو غيرها جائز شرعًا، بشرط ألا يؤدي إلى موته لو تُرك دون ذبح،
بل يبقى حيًّا حياة مستقرة ثم يُذبح بالطريقة الشرعية. ونصّت أيضًا على أن الأصل
أن المسلم يكتفي بفتوى المركز الإسلامي المعتمد الموثوق به في بلده.
اللجنة الدائمة للإفتاء السعودية
ذكرت أن للفقهاء المعاصرين ضوابط فنية دقيقة يُشترط
توافرها لصحة الذكاة بعد التدويخ، ومدارها على بقاء حياة مستقرة بعده من عدمه.
الفرق بين حكم الوسيلة وحكم أكل الذبيحة
واعتبر باحثو مركز إسلام ويب أن استخدام التيار
الكهربائي لإضعاف مقاومة الحيوان لا يجوز أصلًا لما فيه من تعذيب منهي عنه شرعًا،
لكن ذلك لا يمنع من حل الذبيحة إذا لم يُقضَ به على حياتها حتى تمت ذكاتها بطريقة
شرعية أي أن حرمة الوسيلة إن قيل بها شيء، وحل الذبيحة نفسها بعد الذكاة الصحيحة
شيء آخر.
مجلس الأئمة الأسترالي
أفتى بتحريم أكل الدجاج الذي يُخدَّر بخليط الغاز، بعد
أن أظهرت التجارب في أحد المجازر أن معظم الدجاج المخدَّر بالغاز يموت قبل الذبح
الآلي، فاعتُبر في حكم الميتة، بينما أجاز الدجاج الذي يُصعق بالكهرباء بشرط بقائه
حيًّا.
وأن طريقة الصعق أو التدويخ في حد ذاتها لا تقتل
الحيوان، وإنما تؤدي إلى فقدان وعيه ووقوعه، ثم يُذبح بعد ذلك ذبحًا يتوافق مع
متطلبات التذكية الشرعية
القواعد الفقهية الحاكمة في مسألة تدويخ الحيوان قبل الذبح
تدور فتاوى المعاصرين حول قواعد وضوابط منها:
مدار الحل هو "الحياة المستقرة" عند الذبح —
العبرة ليست بالتدويخ نفسه، بل ببقاء الحيوان حيًّا حياةً مستقرة وقت قطع الحلقوم
والمريء ومرور الدم، عملًا بقوله تعالى ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ (المائدة: 3).
الوسيلة التي تُفضي غالبًا إلى الموت قبل الذبح ممنوعة،
كما في قرار مجمع الفقه بشأن الصعق الكهربائي للدواجن، لثبوت نسبة نفوق معتبرة به
تجريبيًّا.
ويجب الرجوع للتجربة والاختصاص الفني في تحديد أي
الوسائل تقتل وأيها لا تقتل وهذا يُحيل الأمر إلى أهل الخبرة من بيطريين ومختصي
المسالخ لا الفقيه وحده.
والأصل عند التعارض أو الاشتباه الرجوع لجهة الإفتاء أو
هيئة الحلال المعتمدة والموثوقة في بلد المستهلك، كما نصّت دار الإفتاء المصرية،
لأن التحقق من نوع التدويخ الفعلي المستخدم في مسلخ معيّن يحتاج معلومة ميدانية
دقيقة لا يملكها الفرد عادة. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة: