تُكرم خادمتها ماليًّا لكنها تهينها.. كيف تتقي الله فيها؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;color:#1F1F1F">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;color:#1F1F1F">أنا سيدة حالتي المادية وايد ممتازة وميسورة والحمد لله رب العالمين. عندي بالبيت عاملة منزلية (خدامة) من جنسية غير عربية لكنها مسلمة. الصراحة أنا أحاول كثر ما أقدر إني أحسن إليها؛ يعني معاشها تاخذه أول بأول وبوقته، وأوفر لها كل احتياجاتها من أكل وشرب ولبس، وما أبخل عليها بشيء من هالناحية.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;color:#1F1F1F">لكن المشكلة إنها ساعات تغلط بالشغل، أو تنسى بعض الأمور، وأنا أحيانًا ما أتمالك نفسي وأتنرفز بسرعة. فأصرخ عليها وأرفع صوتي، وساعات للأسف أحرجها وأفشلها جدام عيالي أو جدام الضيوف اللي يزوروني بالبيت.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;color:#1F1F1F">أنا بيني وبين نفسي أقول: "أنا مو ظالمتها، معطيتها حقها المالي كامل وزيادة"، بس الحق ينقال إن مشاعرها ونفسيتها ما تهمني وايد وقت الخطأ، ولا أحط لها اعتبار لما أعصب. الحين قام يأنبني ضميري وخايفة، وودي أسألكم: هل تصرفي هذا وصراخي عليها وتفشيلها جدام الناس يخالف الأدب الإسلامي والشرع في التعامل مع الخدم؟<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;text-align:justify"><b><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;color:#1F1F1F;border:none windowtext 1.0pt; mso-border-alt:none windowtext 0cm;padding:0cm">و</span></b><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;color:#1F1F1F">هل يكفي إني أأدي لها أجرها كامل عشان تبري ذمتي جدام رب العالمين؟ ولا الأخلاق وجبر الخواطر لها نصيب بالحساب والعقاب عند الله؟<b><span style="border:none windowtext 1.0pt;mso-border-alt:none windowtext 0cm; padding:0cm"><o:p></o:p></span></b></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;color:#1F1F1F;border:none windowtext 1.0pt; mso-border-alt:none windowtext 0cm;padding:0cm">و</span><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;color:#1F1F1F">شلون أقدر أتقي الله فيها وأمسك أعصابي؟ وشنو تنصحوني عشان أكفر عن اللحظات اللي ضايقتها فيها؟<o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;color:#1F1F1F;mso-ansi-language:EN-US; mso-fareast-language:EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">وجزاكم الله خير الجزاء، وبميزان حسناتكم يارب.</span>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أختي الكريمة، وأشكرك على ثقتك بنا، وتواصلك معنا، وعلى صراحتك مع نفسك. فإن شعورك بوخز الضمير، وخوفك من الدخول في دائرة الظلم، وسؤالك بحثًا عن رضا الله وبراءة ذمتك؛ لهو دليل واضح على حياة قلبك، وعمق إيمانك. أسأل الله أن يبارك في رزقك ومالك، وأن يشرح صدرك، وأن يرزقك الحلم والرفق في القول والعمل، وأن يجعلك من الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس، وأن يحفظ لك أبناءك ويقر عينك بصلاحهم، وبعد...

مكانة الخدم في البيت المسلم

إن البيوت في الإسلام لا تُبنى على الجدران والأموال فقط، بل تُبنى على المشاعر، والأخلاق، والرحمة المتبادلة. وهذه العاملة التي تركت بلدها، وأهلها، وأبناءها، وجاءت لتخدم في بيتك، لم يَقُدها إليك إلا الحاجة، والقدر الذي ساقها لتكون تحت ولايتك.

وقد وضع الإسلام منهجًا فريدًا في التعامل مع الخدم، لم تسبقه إليه منظومة حقوقية في العالم، حيث جعلهم إخوانًا لنا في الدين والإنسانية، وليسوا مجرد آلات نشتري جهدها بالمال.

الصراخ والإحراج أمام الضيوف والأبناء

نعم أختي الفاضلة، إن هذا التصرف (الصراخ، ورفع الصوت، والإحراج أمام الأبناء أو الضيوف) يخالف الأدب الإسلامي مخالفة صريحة؛ بل وينافي كمال الإيمان والرفق الذي حثنا عليه النبي e.

فمن الناحية الشرعية والأخلاقية، يعد الخطأ والنسيان طبيعة بشرية لا يسلم منها أحد، فكيف بعاملة تكثر عليها الأعباء وتتداخل المسؤوليات؟ والشرع أمرنا بخفض أصواتنا؛ قال الله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِك وَاغْضُضْ مِن صَوْتِك ۚ إِنَّ أَنكرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: 19].

والأصل في التعامل مع الخدم هو الحلم والعفو، وقد ضرب لنا النبي e أروع الأمثلة في ذلك؛ فعن أنس بن مالك t قال: «خَدَمْتُ النبيَّ e عَشْرَ سِنِينَ، فَما قالَ لي: أُفٍّ، ولا لِمَ صَنَعْتَ؟ ولا أَلَا صَنَعْتَ؟» [متفق عليه]. فتخيلي يا أختي؛ عشر سنوات كاملة فيها الخطأ والنسيان والتقصير بحكم صغر السن وبحكم الطبيعة البشرية، ومع ذلك لم يسمع أنس من النبي e كلمة تضجُّر (أُف)، فما بالك بالصراخ والتوبيخ؟

ومن الناحية التربوية والاجتماعية، فإن إحراجها وتفشيلها أمام أبنائك أو الضيوف له عواقب تربوية وخيمة على أطفالك أنفسهم قبل العاملة، ومن ذلك:

- زرع الكبر في نفوس الأبناء: عندما يرى الأبناء والدتهم تصرخ على العاملة وتهينها، فسيتعلمون لا شعوريًّا النظر إليها بفوقية وكبر، ويظنون أن المال يعطي الإنسان الحق في إهانة من هو أقل منه ماديًّا.

- نزع البركة والرحمة من البيت: البيوت التي يكثر فيها الصراخ وكسر الخواطر تُنزع منها السكينة والرفق، والنبي e قال: «إنَّ الرِّفْقَ لا يَكونُ في شيءٍ إلَّا زانَهُ، ولا يُنْزَعُ مِن شيءٍ إلَّا شانَهُ» [رواه مسلم].

- إحراج الضيوف: هذا التصرف لا يحرج العاملة وحدها، بل يُحرج الضيوف أيضًا، ويُظهر صاحبة البيت -رغم فضلها وكرمها- بمظهر حدة الطباع، وهو ما لا نرضاه لسيدة فاضلة مثلك، ولا ترضينه أنت لنفسك، ولا أولادك وضيوفك.

هل يكفي إعطاء الأجر لبراءة الذمة أمام الله؟

صراحةً: لا، لا يكفي أبدًا. فإن إعطاء الأجر المالي كاملًا وتوفير المأكل والمشرب والملبس هو أداء للحقوق المادية التعاقدية التي اتفقتما عليها، وهذا واجب يأثم المرء بتركه أصلًا؛ لكنه ليس كل ما عليك. فالإنسان ليس جسدًا يُطعَم ويُكسى فقط؛ بل هو روح ونفس ومشاعر. والله -سبحانه وتعالى- يحاسب على كسر الخواطر، وعلى الظلم المعنوي والنفسي كما يحاسب على الظلم المادي؛ بل إن الأذى المعنوي قد يكون أشد فتكًا من الأذى المادي.

وفي القرآن الكريم يقرر الله -تعالى- قاعدة عظيمة، وهي أن الكلمة الطيبة وجبر الخاطر مقدم على العطاء المادي المصحوب بالأذى، قال تعالى: ﴿قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى ۗ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 263].

وهناك قصة عظيمة مرعبة في هذا الباب، يجب أن تتذكريها دائمًا وتضعيها نُصب عينيك: عن أبي مسعود البدري t قال: «كنْتُ أَضْرِبُ غُلَامًا لِي بِالسَّوْطِ، فَسَمِعْتُ صَوْتًا مِنْ خَلْفِي: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ»، فَلَمْ أَفْهَمِ الصَّوْتَ مِنَ الْغَضَبِ، قَالَ: فَلَمَّا دَنَا مِنِّي إِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ e، فَإِذَا هُوَ يَقُولُ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ»، قَالَ: فَأَلْقَيْتُ السَّوْطَ مِنْ يَدِي، فَقَالَ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، أَنَّ اللهَ أَقْدَرُ عَلَيْك مِنْك عَلَى هَذَا الْغُلَامِ»، قَالَ: فَقُلْتُ: لَا أَضْرِبُ مَمْلُوكا بَعْدَهُ أَبَدًا. وفي رواية أنه قال: هُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ e: «أَمَا لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْك النَّارُ»، أَوْ: «لَمَسَّتْك النَّارُ» [رواه مسلم].

فتأملي أختي الفاضلة، كيف أن السلطة والقوة والقدرة التي تملكينها على هذه العاملة بالمال، الله -سبحانه وتعالى- أقدر عليك منها. لذا، فإن الأخلاق وجبر الخواطر لها نصيب هائل وعظيم في الحساب والعقاب يوم القيامة.

كيف تتقين الله فيها؟

العصبية والاندفاع يمكن ترويضهما بالتدريب ومجاهدة النفس، «وإنَّما الحِلْمُ بالتَّحَلُّمِ» كما جاء في الأثر. وإليك خطوات عملية تعينك على ضبط أعصابك:

1- الصمت عدة ثوانٍ: إذا رأيتِ منها خطأ أو نسيانًا، فلا تتحدثي معها فورًا. خذي نفسًا عميقًا، واستعيذي بالله من الشيطان الرجيم في سرَِّك، فالشيطان ينفخ في الغضب ليدفعك إلى الخطأ والتجاوز.

2- تغيير الوضعية الجسدية: إذا كنتِ واقفة فاجلسي، وإذا كنتِ غاضبة جدًّا فاتركي المكان لدقائق وتوضئي، فالماء يطفئ جمر الغضب.

3- تذكري غربتها وضعفها: كلما هممتِ بالصراخ عليها أو تعنيفها، تذكري: لو كانت ميسورة الحال في بلدها وبين أطفالها لما تحملت الغربة وأتت لتخدم في بيتي. هذه اللمسة الإنسانية ستُحيل غضبك إلى رحمة وشعور بالشفقة عليها.

4- الانفراد بها عند اللوم: ضعي قاعدة صارمة لنفسك: «لا عتاب ولا لوم أمام أحد». إذا أخطأَتْ فناديها في غرفتها أو في المطبخ أو في أي مكان بمفردكما، وقولي لها بهدوء: «أنا لاحظت كذا، وهذا يضايقني، أتمنى ألا يتكرر». التوجيه في معزل عن الناس يجعلها تتقبل الكلام بحب، بينما الإحراج يولِّد الخوف أو العناد والكُره.

5- لوحة مكتوبة للمهام: بما أنها تنسى، فلعل كثرة الأوامر الشفهية تشتتها. استخدمي جدولًا يوميًّا بسيطًا بالصور أو بلغتها، يوضح مهامها اليومية، فالاطلاع البصري يقلل النسيان والأخطاء بنسبة كبيرة.

كيف تكفِّرين عن اللحظات التي ضايقتها فيها؟

التكفير عن أذى المشاعر يكون بمداواتها؛ وعلينا أن نُتبع السيئةَ الحسنةَ لتمحوها. وإليك أفكارًا عملية لجبر خاطرها:

- الاعتذار المباشر: لا تستكبري أن تقولي لها بينك وبينها: «أنا آسفة، بالأمس كنت متوترة ورفعت صوتي عليك، أنت أختي (أو ابنتي) ولا أرضى بإهانتك». هذه الكلمة ستغسل كل الحزن من قلبها وتجعلك كبيرة في عينها وفي عين الله.

- الهدية: اجبري خاطرها بهدية مما تحبه النساء (عطر، رداء جميل، هاتف بسيط، أو مبلغ مالي إضافي غير راتبها) وقدميه لها بابتسامة وقولي: «هذا تقديرًا لجهدك معنا». فالهدية تُذهب الحزن وتغسل الضغائن.

- تكريمها أمام الأبناء والضيوف: كما أحرجتِها أمامهم، امدحيها أمامهم. قولي أمام ضيوفك وأبنائك: «فلانة اليوم طبخها لذيذ، أو تنظيفها ممتاز، أو أخلاقها عالية، جزاها الله خيرًا». هذا يعيد لها كرامتها أمام الأطفال ويعلمهم احترامها.

- الدعاء والاستغفار لها: اجعلي لها نصيبًا من دعائك بظهر الغيب؛ أن يبارك الله فيها وفي أهلها، فالدعاء للمظلوم يطفئ أثر المظلمة.

وختامًا أختي الفاضلة، إن الله إذا أحبَّ عبدًا بصَّره بعيوبه، وأنت اليوم في مقام مبارك؛ لأنك انتبهت قبل الفوات. وتذكري دائمًا أن بركة المال والرزق والصحة التي أنت فيها، قد تكون بسبب دعوة صادقة من هذه المسكينة وهي ساجدة في جوف الليل، فلا تحرمي نفسك من هذا الباب العظيم من أبواب الجنة، واجعلي بيتك واحة للرحمة والرفق.

اللهم أسألك أن تصب على قلب أختنا السائلة السكينة والوقار، وأن تملأ قلبها بالرحمة والرفق واللين. اللهم حبب إليها الإحسان وجبر الخواطر، واغفر لها ما سلف وكان، وتجاوز عن زلاتها. اللهم بارك لها في بيتها، وزوجها، ومالها، وأبنائها، واجعلهم ذرية صالحة بارة، واجمعنا وإياها في فردوسك الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا. اللهم آمين.