أنا شاب متجوز بقالي سنة أو اتنين، ومحتار جدًا بسبب فرق كبير بيني وبين مراتي في طريقة التفكير والتعامل. أنا متربي في بيت كان فيه الزوجة دايمًا بتسمع الكلام وبتنفّذ من غير نقاش، فكنت فاكر إن ده الطبيعي في أي جواز. لكن مراتي مختلفة خالص… هي بتسأل، وبتناقش، وعايزة تفهم الأول قبل ما توافق أو تنفّذ. وده ساعات بيخلّيني أحس إنها بتعارضني أو بتشد معايا، مع إني ممكن أكون بس فاهم الموضوع بطريقة مختلفة. الخلاف بينا كبر لدرجة إنها في مرة زعلت وراحت بيت أهلها، وأنا وقتها قلت خلاص، مش لازم أرجّعها، وحسّيت إننا مش مناسبين لبعض بسبب الفرق الكبير بيننا. بس والدها، راجل هادي ومثقف، اتكلم معايا وقال إن اللي أنا شايفه تمرد، ممكن يكون في الحقيقة تفكير طبيعي ومحاولة منها إنها تفهم وتبني ثقة مش أكتر. كلامه خلاني أراجع نفسي، بس في نفس الوقت زوّد حيرتي. دلوقتي أنا واقف في نص الطريق: أتمسك بالشكل اللي أنا متعود عليه وشايفه الصح؟ ولا أحاول أقبل اختلافها وأتعلم أتعامل معاه حتى لو الموضوع صعب عليا في الأول؟ أنا خايف أكون بظلمها لو فضلت شايف إن طريقتها غلط، وفي نفس الوقت خايف أتنازل عن اللي أنا مقتنع بيه وأتعب نفسي. السؤال بقى: هل الاختلاف ده طبيعي وممكن مع الوقت يبقى سبب قوة بينا؟ ولا ده معناه إننا مش مناسبين لبعض من الأساس؟ وإزاي أتعامل مع الموضوع ده من غير ما نوصل تاني لزعل أو بعد أو انفصال؟
ابني
الكريم، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.
حيرتك
يا بني بين نموذجين للزواج هي حيرة مفهومة للغاية، ويبدو لي من سطور رسالتك أنك
تتمتع بمقدار من المرونة تجعلك تراجع موقفك وتتأمله، فلست جامد الفكر حتى ترى
نموذجك الذي تربيت عليه هو النموذج الوحيد الممكن، وهذه نقطة قوة كبيرة لديك، وإن
شاء الله تكون منطلق لتكوين رأي واع.
صراع
بين نموذجين
ابني
الكريم، المشكلة الحقيقية بينك وبين زوجتك ليست سوء توافق شخصي، وإنما كل منكما
يحمل في ذهنه نموذجًا إدراكيًّا مختلفًا للزواج، ومن ثم حدث صراع أو صدام بين هذين
النموذجين.
النموذج
الذي تتبناه أنت هو النموذج الذي تربيت عليه وهو النموذج التقليدي، حيث يمثل الزوج
رمز السلطة المطلقة في البيت.. السلطة التي تصدر الأوامر والسلطة التي تمثل هويتك
الذاتية كزوج، بينما يقوم دور الزوجة على الطاعة المطلقة التي يتم ترجمتها من
قبلها ومن قبل الزوج والأبناء أنها دلالة على الحب والاحترام والتقدير.
النموذج
الذي تربت عليه زوجتك هو نموذج يقوم على الشورى بين الزوجين، وأنت قلت إن والدها
رجل مثقف هادئ، ولا شك أنه كان يشارك زوجته ويتفهم وجهة نظرها ونحو ذلك.. زوجتك
نشأت أن هذا هو النموذج الواعي المتحضر لشكل الحياة الزوجية.
عندما
بدأت أنت بإصدار الأوامر -كما رأيت والدك يفعل- لم تستجب زوجتك بشكل تلقائي، وأنت
ظننت هذا قلة احترام منها وشعرت أن هويتك مهددة.
زوجتك
لم ترفض قراراتك، هي فقط شعرت أن من حقها أن تفهم وأن تقتنع.. المشكلة الأكبر أن
الاختلاف في وجهات النظر أدى إلى فائض انفعالات حادة وضارة وصلت بها للخروج من
البيت غاضبة، ووصلت بك للتفكير أنكم شخصيات غير متناسبة وبالتالي فالانفصال
هو الحل.
تقييم
النماذج
أسهل
شيء يا بني هو الهدم.. أن نعلن أنه لا يوجد توافق.. أن نبقى في منطقة الراحة التي
اعتدنا عليها ولا نبذل جهدًا حقيقيًّا ولا نستثمر في علاقتنا الزوجية؛ لأنه من
الممكن أن نخسر شخصًا غاليًا بيننا مشاعر عميقة وقيم وتصورات مشتركة؛ لأنه فقط
يوجد اختلاف بيننا في الطريقة التي ندير بها الخلاف.
ما
رأيك أن نبذل بعض الجهد في محاولة فهم آلية الخلاف والاختلاف.. أن نبذل بعض
الجهد في التفكير في مرجعية نحتكم إليها.. أن نبذل بعض الجهد في البحث
عن طريقة موضوعية نقيم بها هذين النموذجين، وهل هناك نموذج منها يمثل الصواب
المطلق، ونموذج آخر هو الخطأ المحض.
ابني
الكريم، نحن كمسلمين مرجعيتنا هي هذا الدين.. القرآن والحديث ولدينا نموذج تطبيقي
هو سلوك النبي ﷺ..
فهل كان منهج النبي يشبه النموذج الذي قدمه والدك؟ هل كان يصدر القرارات المطلقة
والأوامر واجبة التنفيذ؟ هل كانت أمهات المؤمنين يناقشنه أم لا؟ وهل كان صوتهن
يرتفع أحيانًا أم لا؟
ربما
تكون الإجابة في هذا الحديث (اسْتَأْذَنَ أَبُو بَكْرٍ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِ
عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَسَمِعَ صَوْتَ عَائِشَةَ عَالِيًا، فَلَمَّا دَخَلَ تَنَاوَلَهَا لِيَلْطِمَهَا،
وَقَالَ: أَلَا أَرَاكِ تَرْفَعِينَ صَوْتَكِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَجَعَلَ
النَّبِيُّ ﷺ يَحْجِزُهُ،
وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُغْضَبًا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ حِينَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ: كَيْفَ
رَأَيْتِنِي أَنْقَذْتُكِ مِنَ الرَّجُلِ؟
قَالَ:
فَمَكَثَ أَبُو بَكْرٍ أَيَّامًا، ثُمَّ اسْتَأْذَنَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَوَجَدَهُمَا
قَدِ اصْطَلَحَا، فَقَالَ لَهُمَا: أَدْخِلَانِي فِي سِلْمِكُمَا كَمَا
أَدْخَلْتُمَانِي فِي حَرْبِكُمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: قَدْ فَعَلْنَا قَدْ فَعَلْنَا).
لو
تأملت يا بني هذه الواقعة النابضة بالحياة الحقيقية فستجد أن هناك مناقشة ومراجعة
قد تصل حد أن ترفع السيدة عائشة صوتها، وهذا لا يعني بحال أنها تقلل من احترامها
للنبي ﷺ كزوج، ولكن يعني
ببساطة أن هذه أحيانًا تكون طبيعة الحياة الزوجية المرنة.
النموذج الوسطي
ابني
الكريم، أنت بحاجة لحوار صادق مع زوجتك حتى تستطيعا معًا عمل نموذج زوجي خاص
بكما.. نموذج عقلاني واع، ولكنه أيضا نموذج واقعي يراعي البيئة التي نشأت فيها،
وهذه بعض أفكار قد تساعدكم في بناء هذا النموذج.
ـ
هناك ملفات تكون أنت المسؤول فيها عن اتخاذ القرارات، وملفات أخرى تكون هي
المسئولة فيها عن اتخاذ القرارات.
ـ
الحوار والنقاش لا يكون في كل التفاصيل الصغيرة، فلا بد من تمرير بعض التفاصيل دون
نقاش لأنها لا تضر وتسهل شكل الحياة، وينبغي أن تقتنع زوجتك بهذا، فليست كل
التفاصيل الصغيرة تحتاج إلى حوار ونقاش.
ـ
الأمور المختلف حولها هي من تخضع للحوار والنقاش.
ـ
يشترط الهدوء أثناء النقاش وعدم تبادل الاتهامات أو النقد الحاد، كما يشترط اختيار
وقت مناسب للحوار.
ابني
الكريم، سأخبرك بقاعدة ذهبية قد تحل المشكلة العميقة داخلك:
رجولتك
وقوتك لا تفرض عن طريق السيطرة وعدم المناقشة وإنما تفرض عبر قدرتك على الاحتواء
والإقناع.. الزوجة المنقادة يسهل على أي رجل أن يفرض رأيه عليها، أما الرجل
الحقيقي فهو من يستطيع احتواء الزوجة الواعية فتستجيب له طوعًا لا كرهًا وحبًّا لا
خوفًا.
ابني
الكريمة، لا تخسر هذه الزوجة الواعية ذات التربية الراقية.. ابذل جهدك لاحتوائها،
وثق أن هذه الزوجة تمثل إضافة حقيقية لحياتك.. أسعد الله قلبك ويسر أمرك وأصلح لك
حياتك، وتابعني بأخبارك دائمًا.
روابط
ذات صلة: