نذرتُ لله منذ سنوات أنني إذا نجحت في مشروع معين سأصوم شهراً كاملاً كل سنة مدى الحياة. المشروع نجح بفضل الله، لكنني الآن تقدمت في السن وأصبت بمرض السكري وأصبح الصيام يجهدني جداً ويؤثر على صحتي. هل يجوز لي كفارة اليمين وإلغاء هذا النذر؟ أم يجب عليّ الإطعام عن كل يوم بدلاً من الصيام؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلا بك أخي الكريم، وأسأل الله أن يبارك لك في نجاحك ويمتعك بالصحة والعافية،
ويجعل ما أصابك كفارة ورفعًا للدرجات.
ونذر
الطاعة التزام عظيم، لكن شريعة الإسلام مبنية على اليسر ورفع الحرج، خاصة عند طارئ
الأعذار القاهرة.
اختصارًا: إذا
عجز المسلم عن الوفاء بنذر الصيام بسبب كبر السن أو مرض مزمن (كالسكر الذي يتأثر
بالصيام تأثرًا شديدًا) ولا يُرجى برؤه، فإن النذر لا يسقط، ولكن يتحول من نذر
الصيام إلى "بدل
مالي" (الإطعام). فيجب
عليك إطعام مسكين عن كل يوم من ذلك الشهر سنويًّا، مع إخراج كفارة يمين مرة واحدة،
عند بعض العلماء للخروج من عهدة النذر الذي عجزت عن الوفاء بصورته الأصلية.
القواعد
الفقهية الحاكمة:
1. "المشقة
تجلب التيسير": وهي
قاعدة كبرى تعني أن الأحكام الشرعية تخفف عند وجود عائق صحي.
2. "لا
واجب مع عجز": فالتكليف منوط بالاستطاعة، لقوله تعالى:
{لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا}.
3. "ما لا
يُدرك كله لا يُترك جله": فإذا عجزت عن الصوم، لم يسقط عنك البدل.
آراء العلماء
حسب المذاهب الفقهية:
*
جمهور الفقهاء (الحنفية، المالكية، الشافعية، والحنابلة): اتفقوا
على أن من نذر صومًا ثم عجز عنه عجزًا مستمرًا (كالكبير والمريض مرضًا لا يرجى
برؤه)، فإنه ينتقل إلى الفدية، وهي إطعام مسكين عن كل يوم؛ قياسًا على صيام رمضان
لقوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ}.
*
الحنابلة (رواية مشهورة): زادوا على الإطعام وجوب كفارة
يمين؛ استنادًا لحديث ابن عباس رضي الله عنهما: "من نذر نذرًا لا يطيقه
فكفارته كفارة يمين"، ليكون مخرجًا له من العجز عن الوفاء بصيغة النذر التي
قطعها على نفسه.
آراء العلماء المعاصرين:
* دار الإفتاء المصرية والسعودية: أفتى كبار
العلماء المعاصرين بأن مريض السكري الذي يقرر الأطباء أن الصيام يضره ضررًا محققًا،
يسقط عنه الصوم في النذر وينتقل إلى الإطعام. فإذا كان النذر "مدى
الحياة" وصار الصوم "مستحيلاً طبيًّا"، فإن الواجب هو إطعام مسكين
(ما يعادل صاعًا من قوت البلد أو قيمة الوجبة) عن كل يوم من الشهر الذي نذرته كل
عام.
*
رأي مجمع الفقه الإسلامي: يؤكد أن نذر الطاعة واجب الوفاء ما دام
في الاستطاعة، فإذا زالت الاستطاعة بالمرض، استُبدل بالفعل الممكن (الصدقة
والإطعام).
ويرى
كثير من المعاصرين أن إخراج كفارة يمين (إطعام 10 مساكين) لمرة واحدة هو حل شرعي
لفك "عقدة النذر" الذي أصبح "غير مستطاع"، مع استمرار الصدقة
بما تيسر شكرًا لله على النجاح الذي تحقق، وهو رأي قد يناسب من عجز عن الوفاء
والإطعام المستمر دومًا، ولعل هذا ما حدا بكثير من العلماء إلى كراهة النذر
ابتداء، أو حتى تحريمه كما هو ظاهر الحديث كابن حزم، استنادا إلى حديث النبي في
البخاري ومسلم: [نهى النبي ﷺ عن النذر، وقال: إنه لا يرد شيئًا، وإنما يُستخرج
به من البخيل]
وبما
أن مرض السكري يتطلب انتظامًا في الوجبات والأدوية، فلا يجوز لك شرعًا الإضرار
بنفسك. والواجب عليك هو إطعام مسكين عن كل يوم من أيام الشهر
الذي نذرته (30 مسكينًا كل سنة)، وإذا أردت الأخذ برأي الحنابلة للخروج من النذر
نهائيًّا نظرًا للعجز المستمر، فتخرج كفارة يمين لمرة واحدة، ثم
تلتزم بالإطعام سنويًّا بدلاً من الصيام.
أسأل
الله أن يتقبل منك طاعتك ويشفيك شفاءً لا يغادر سقمًا. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة: