<p>أنا أريد أن أسأل: ما حكم أن يدعو الإنسان بهذا الدعاء: «اللهم سخر لي جنود الأرض، وملائكة السماء، وكل من فوضته أمري»؟</p> <p><span dir="RTL">هل هذه الصيغة صحيحة في العقيدة الإسلامية؟ وهل يجوز أن أستعملها في دعائي، أم أن فيها تكلف أو معنى غير مشروع؟</span></p>
مرحبًا بك أخي الكريم، وأسأل الله -عز وجل- أن يتقبل منك صالح الدعاء، وأن يفتح لك أبواب الإجابة، وأن يملأ حياتك توفيقًا وتسخيرًا للخير، وأن يجعلك مستجاب الدعوة، موفق الخطوة، وبعد...
الدعاء في الإسلام
إن «الدُّعاءَ هوَ العبادةُ» كما قال نبينا ﷺ [رواه الترمذي]. وهو باب الله الأعظم المفتوح بينه وبين عباده. والأصل في الدعاء الإباحة والسعة، فلك أن تدعو بما شئت من خير الدنيا والآخرة، ما لم تدعُ بإثم أو قطيعة رحم. قال رسول الله ﷺ: «ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تُعجَّل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها» [رواه أحمد].
ولكن رغم هذه السعة، فإن للدعاء آدابًا، وللألفاظ دلالات يجب أن تكون متوافقة مع العقيدة الصحيحة؛ خصوصًا فيما يتعلق بصفات الله وأفعاله وعلاقة العبد بربه.
تحليل ألفاظ الدعاء المذكور
لنقف مع الدعاء الذي سألت عنه جملة جملة، لنرى ما فيها من حق وصحة، وما قد يشوبه من ملحوظات:
1- «اللهم سخر لي جنود الأرض»:
هذه العبارة صحيحة ومشروعة وجائزة من حيث المعنى العام. فالتسخير هنا بمعنى: التذليل، والتيسير، والتهيئة. ونحن نرى في القرآن الكريم أن الله منَّ على عباده بتسخير الكون لهم، لا ليعبدوه من دونه، بل لينتفعوا به. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: 20].
فجنود الأرض تشمل: البشر الصالحين، والظروف المواتية، وحتى الدواب والجمادات التي ييسرها الله لخدمة العبد. فإذا كان قصدك: «يا رب هيئ لي من خلقك في الأرض من يعينني على قضاء حوائجي»، فهذا جائز وحسن.
2- «... وملائكة السماء»:
هنا نحتاج إلى وقفة يسيرة. إن الملائكة عباد مكرمون، لا يعصون الله ما أمرهم، وهم جنود لله تعالى. قال تعالى: ﴿وَلِلَّـهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّـهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [الفتح: 7].
أما عن الدعاء بتسخير الملائكة، فإذا كان القصد أن يأمر الداعي الملائكة فتستجيب فهذا لا يجوز؛ لأن الملائكة لا تأتمر بأمر البشر، إلا الأنبياء أحيانًا بتكليف من الله عز وجل.
أما إذا كان القصد: «يا رب مُرْ ملائكتك أن يعينوني ويحفظوني»، فهذا جائز وصحيح. فقد أيد الله المؤمنين بالملائكة في بدر، وقيض لكل إنسان ملائكة حفظة. فالدعاء بأن يمدك الله بملائكة الرحمة، أو ملائكة الحفظ، أو أن يجعلهم يستغفرون لك، هو دعاء بمشروع.
3- «... وكل من فوضته أمري»:
هنا تكمن الملحوظة العقَدية الأهم في هذا الدعاء. فالمؤمن لا يفوِّض أمره تفويضًا مطلقًا إلا لله وحده. قال تعالى على لسان مؤمن آل فرعون: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللهِ ۚ إِنَّ اللّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: 44].
فالتفويض بمعنى التوكل التام والاعتماد الكلي في جلب النفع ودفع الضر، هو عبادة قلبية لا تُصرف إلا لله. فإذا قلت: «كل من فوضته أمري» وكان قصدك مديرك، أو محاميك، أو طبيبك... إلخ، فإن العبارة توهم نوعًا من الاعتماد القلبي عليهم، وهذا يخدش كمال التوكل. والبديل الأسلم: أن تقول: «وكل من ولَّيته أمري» بمعنى الولاية الدنيوية، أو: «وكل من أجريت قدرك لي على يديه».
دعوة إلى النبع الصافي:
اعلم يا أخي الفاضل، أن في كتاب الله –تعالى- وسنة نبيه ﷺ من الكنوز والذخائر ما فيه الغنية والكفاية عن كل صيغة مستحدثة أو متكلفة من الدعاء. فالدعاء المأثور هو وحي أو قبس من وحي، قد سلمت ألفاظه من الزلل، وبرأت معانيه من الخلل، وجمعت كلماته خيري الدنيا والآخرة بأوجز العبارات.
فبدلًا من البحث عن صيغ قد يشوبها التكلف، دونك هذه الدعوات المباركات التي تفتح لها أبواب السماء:
إذا أردت التيسير والتسخير، فادعُ بما دعا به كليم الله موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ [طه: 25 و26].
وإذا أردت تفويض الأمر لله بصدق، فقل كما في التنزيل: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173]، فهي كلمة قالها إبراهيم -عليه السلام- حين ألقي في النار، وقالها محمد ﷺ حين حزبته الأحزاب.
ومن نفائس السنة ما علمنا إياه النبي ﷺ من دعاء شامل جامع، حيث قال لأم المؤمنين عائشة: «عليكِ بجوامِعِ الدعاءِ: اللهم إني أسألُك من الخيرِ كلِّه عاجلِه وآجلِه، ما علمتُ منه وما لم أعلمُ، وأعوذُ بك من الشرِّ كلِّه عاجلِه وآجلِه، ما علمتُ منه وما لم أعلمُ» [رواه ابن ماجة].
وقوله ﷺ في طلب العون والتيسير: «يا حيُّ يا قيُّومُ برحمتِك أستغيثُ، أصلِحْ لي شأني كلَّه، ولا تكِلْني إلى نفسي طرفةَ عينٍ» [رواه النسائي].
وقوله ﷺ: «اللهم لا سهل إلا ما جعلته سهلاً، وأنت تجعل الحَزْنَ إذا شئت سهلًا» [رواه ابن حبان].
وقوله ﷺ: «اللهم رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت» [رواه أبو داود].
والكثير والكثير من الصيغ التي حفل بها القرآن الكريم وكذلك سنة النبي ﷺ المطهرة، فابحث عنها واقرأ واسترشد بها. والزم -رعاك الله- هذا الغرز، واقرع الباب بمفاتيح الوحي، فإنها أرجى للقبول وأسكن للقلب.
وختامًا أخي الكريم، تذكر دائمًا أن أبواب السماء لا تُفتح بتكلُّف الكلمات وتنميق العبارات؛ بل تُفتح بصدق الافتقار إلى الله، وحرارة المناجاة، واليقين بأن الله أرحم بنا من أمهاتنا. فاجعل اليقين بالله مفتاحك، والتوكل الحقيقي سلاحك، وسترى من كرم الله ما يدهش عقلك ويقر عينك.
أسأل الله أن يفتح لك فتوح العارفين، وتوفيق الصالحين، وأن يسخِّر له أسباب الخير كلها، وييسِّر له كل عسير، ويجعل له من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، وأن يجعل التوفيق حليفك، وأن يتولاك بلطفه الخفي، وكرمه الوفي. اللهم آمين.
روابط ذات صلة:
كيف أستشعر معاني الدعاء وأتذوق أثره؟
ما الذي يساعدني على حضور قلبي والخشوع في الدعاء؟
ما صحة وحقيقة دعاء النبي: «يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث»؟