<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،</p> <p>صار لي تقريباً سنتين، الله منّ عليّ ووفقني بمشاريعي التجارية، والحمد لله الأمور ماشية تمام والتجارة زادت.</p> <p>بس مع هالنجاح، بديت ألاحظ نظرات بعض اللي حواليّ، سواء من أهلي أو ربعي. بالبداية ما كان واضح، بس مع الوقت زاد وصار أحس إن في ناس يمكن تحسدني أو ما تتمنى لي الخير<span dir="LTR">.</span></p> <p>هالشي خلاني ألتزم بالتحصينات والأذكار الشرعية، وصرت أحرص أقرأها كل يوم قبل لا أطلع من البيت، وقبل لا أبدي أي شي جديد، وحتى لما أشوف نعمة أو خير بحياتي. ومع الوقت، خوفي من العين والحسد زاد، لدرجة إني صرت أربط أي شي يصير لي فيهم.</p> <p>يعني لو سيارتي اختربت فجأة، أو صبتني شوية مرض، أو حتى ضاقت فيني الدنيا شوي بالفلوس، على طول أقول: هذي عين، هذا حسد.</p> <p>أحياناً أحس إني صرت مهووس بهالموضوع، وفكري كله يدور حواليه.</p> <p>هل هالكثرة بالتفكير، وربط كل فشل أو مرض أو ضيق بالعين والحسد، يعتبر شي غلط بالدين؟</p> <p>وهل هالشي يعتبر ضعف بالتوكل على الله سبحانه وتعالى؟</p> <p><span dir="RTL">شلون أقدر أوازن بين إني آخذ بالأسباب وأتحصن بالتحصينات اللي وصانا فيها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبين إني أتوكل على الله، وما أطيح بوسواس ولا أحس دايماً إن في خطر من الحسد بكل شي بحياتي؟ </span></p>
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أيها الأخ الكريم، وشكرًا جزيلاً لك على ثقتك بنا ومراسلتنا. أسأل الله أن يبارك لك في رزقك، ويزيدك من فضله، ويحفظك من كل سوء ومكروه، وأن يطمئن قلبك ويشرح صدرك، وأن يجعلك دائمًا من الشاكرين الذاكرين المتوكلين عليه حق التوكل، وبعد...
فإن النجاح والبركة في الرزق هبة من الله تستوجب الشكر والحمد، ولكنها قد تحمل معها أحيانًا بعض التحديات، ومنها ما ذكرته من نظرات الناس وشعورك بالعين والحسد.
ونعم -أخي الكريم- إن الإفراط في التفكير بالعين والحسد وربط كل فشل أو مرض أو ضيق بهما قد يكون «خطأ في الدين وضعفًا في التوكل على الله سبحانه وتعالى»، للأسباب التالية:
1- إفراغ القلب من اليقين بقضاء الله وقدره:
إن الله -سبحانه وتعالى- هو المدبر لكل أمر، لا يقع في ملكه إلا ما أراد. فكل ما يصيب الإنسان من خير أو شر، من صحة أو مرض، من غنى أو فقر، إنما هو بقضاء الله وقدره.
والإفراط في ربط كل مكروه بالعين أو الحسد قد يشتت الذهن عن حقيقة أن المصائب ابتلاءات من الله قد تكون لتكفير ذنوب، أو لرفع درجات، أو لتنبيه من غفلة. يقول الله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التغابن: 11]. فإذا أيقن المؤمن بذلك، هدى الله قلبه وسكن واطمأن، ولم يذهب به الوسواس كل مذهب.
2- الانشغال بالمخلوق عن الخالق:
عندما يصبح فكر الإنسان مهووسًا بالعين والحسد، فإنه ينشغل بالمخلوق (الحاسد والعائن) عن الخالق (الله عز وجل) الذي بيده ملكوت كل شيء. وهذا يتعارض مع كمال التوكل على الله. فالتوكل الحقيقي يعني الاعتماد التام على الله في جلب المنافع ودفع المضار، مع الأخذ بالأسباب المشروعة. قال رسول الله ﷺ: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله، لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خماصًا وتروح بطانًا» [رواه الترمذي]. فإذا كان الطير الذي لا يعقل يرزق بتوكله، فكيف بالإنسان الذي كرَّمه الله؟
3- فتح الباب للوسوسة والتشاؤم:
الوسوسة في أمر العين والحسد يمكن أن تتحول إلى هاجس يؤرق الإنسان ويجعله يرى الشر في كل زاوية، ويتحول إلى شخص متشائم يفسر كل حدث سلبي في حياته على أنه نتيجة لسحر أو عين أو حسد. وهذا قد يؤثر على صحته النفسية، وعلاقاته الاجتماعية؛ بل وحتى على قدرته على الاستمتاع بنعم الله عليه. وقد قال رسول الله ﷺ: «لا عدوى ولا طِيَرة» [صحيح البخاري]. ومعنى «لا طِيَرة» أي لا تشاؤم.
4- فقدان الشكر والرضا:
عندما ينسب الإنسان كل ما يصيبه من ابتلاء إلى العين والحسد، قد يغفل عن شكر الله على نعمه الكثيرة، وعن الرضا بقضائه وقدره. فالمؤمن الحقيقي هو من يرضى بقضاء الله، سواء كان خيرًا أم شرًّا، ويحمد الله على كل حال.
الموازنة بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله
وتلك الموازنة يمكننا تحقيقها عبر الآتي:
1- الإيمان الراسخ بقدرة الله تعالى:
أول وأهم خطوة هي تعميق الإيمان بأن الله هو الحافظ والرازق والمانع والمعطي. العين حق، والحسد موجود، ولكن لا يقع شيء إلا بقدر الله وإذنه. فليس للحاسد أو العائن قوة ذاتية يمكن أن تؤذي بها إلا بمشيئة الله. قال الله تعالى عن السحر: ﴿وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 102]. وكذلك العين والحسد لا يضران إلا بإذن الله.
2- الأخذ بأسباب الحفظ بيقين:
لقد أرشدنا نبينا محمد ﷺ إلى تحصينات وأذكار شرعية، وهي أسباب شرعها الله لنا لحفظ أنفسنا. وعلينا أن نأخذ بها بيقين أنها نافعة بإذن الله، ومنها:
- أذكار الصباح والمساء: هذه الأذكار كالحصن الحصين للمسلم، تقيه بإذن الله من كل مكروه. فاقرأها بيقين وتدبر معانيها. ومنها قراءة آية الكرسي، والمعوذات (سورة الإخلاص، الفلق، الناس). قال رسول الله ﷺ: «من قال حين يصبح: بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع العليم، ثلاث مرات، لم يصبه فجأة بلاء حتى يمسي. ومن قالها حين يمسي، لم يصبه فجأة بلاء حتى يصبح» [رواه أبو داود].
- الدعاء: وهو سلاح المؤمن. ادعُ الله أن يحفظك من العين والحسد ومن كل سوء، وأن يبارك لك في رزقك.
- الصدقة: الصدقة تدفع البلاء، وهي من أفضل القربات إلى الله.
- كتمان بعض النعم: ليس من الضروري إظهار كل نعمة أمام الجميع. قال رسول الله ﷺ: «استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود» [رواه الطبراني].
3- التوكل على الله التوكل الحق:
التوكل هو لب الإيمان وعماد اليقين. وهو أن تعلم أن الله هو النافع الضار، وأن لا قوة إلا به. فبعد أن تأخذ بالأسباب، سلِّم أمرك لله بالكلية، ولا تعلق قلبك بالنتائج، ويأتي هذا من طريق:
- حسن الظن بالله: اجعل ظنك بالله حسنًا دائمًا. فالله عند ظن عبده به. وظُن أن كل ما يصيبك خير لك، وإن بدا في ظاهره شرًّا.
- الرضا بالقضاء والقدر: إذا أصابك مكروه، فقل: «قدر الله وما شاء فعل». واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك.
- عدم التسرع في توجيه الأحداث: لا تربط كل عارض أو ضيق بالعين والحسد. فالحياة مليئة بالتحديات الطبيعية والاختبارات التي يمر بها كل إنسان. قد يكون تلف السيارة لعطل فني، وقد يكون المرض لسبب عضوي، وقد يكون الضيق المالي لسوء تدبير أو ظروف اقتصادية. المؤمن يتفكر في الأسباب الظاهرة ويعمل على علاجها، ولا يربط كل شيء بالغيبيات إلا بدليل.
- تجنب الوسوسة: إذا بدأت الوساوس تهاجمك، فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، واشغل نفسك بذكر الله وقراءة القرآن، وبالعمل المثمر، وبالتفكير الإيجابي.
4- الإحسان إلى الناس وعدم الخوف منهم:
لا تجعل خوفك من العين والحسد يجعلك تنعزل عن الناس أو تسيء الظن بهم جميعًا. كن محسنًا في تعاملك، ولا تحقد على أحد، وادع للناس بالخير. فكلما كنت متصلاً بالله، مطمئنًا بفضله، كنت أقوى في مواجهة أي شر. وتذكر أن قلبك هو أمانة، فلا تلوثه بالخوف والوساوس.
وختامًا أيها الأخ الكريم، اجعل قلبك معلقًا بالخالق، واعلم أن الضار والنافع هو الله وحده. استمتع بنعم الله عليك، واشكره عليها، وتذكر دائمًا قول الله تعالى: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ۖ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ [يونس: 107].
أسأل الله أن يحفظك بحفظه، ويكلأك برعايته، ويبارك لك في عمرك ورزقك وعملك.