الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الشباب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
13 - رقم الاستشارة : 5579
10/08/2026
السلام عليكم دكتورة..
أنا أخ أكبر لشاب عمره ٢٠ سنة، وأكتب لك لأنني قلق عليه جدًّا.
أخي منذ وفاة والدنا منذ سنوات وهو يشعر أنه يجب أن يكون رجل البيت، رغم أن والدتي لم تطلب منه ذلك بشكل مباشر. هو طالب في الجامعة، وبدأ يعمل بجانب الدراسة، لكن المشكلة أنه أصبح شديد الحساسية تجاه أي كلام عن مستقبله.
لو قلت له: «إنت محتاج تنظم وقتك»، يرد بعصبية: «أنا عارف أنا بعمل إيه»
ولو أمي سألته عن مصاريف الجامعة، يغضب ويقول: «أنا مش طفل»
وفي الفترة الأخيرة بدأ يصرف معظم دخله على أشياء لا أراها ضرورية، ويشتري هدايا غالية لأصدقائه، وأحيانًا يستدين لكي لا يقول لأحد إنه غير قادر.
المشكلة الأكبر أنه دخل في علاقة عاطفية، وأصبح يريد أن يثبت للطرف الآخر أنه قادر على تحمل المسؤولية، فصار يدفع أشياء فوق قدرته، مع أنه في الحقيقة ما زال في بداية حياته.
أنا حاولت أن أتكلم معه كرجل لرجل، لكنه فهم كلامي على أنه تقليل منه، وقال لي: «أنت شايفني فاشل؟»
والحقيقة أنني لا أراه فاشلًا، بل أراه شابًا مجتهدًا، لكني أشعر أنه يحمل فوق طاقته، وأنه يريد أن يثبت للجميع أنه قوي ومستقل حتى لو أرهق نفسه.. كيف أساعده دون أن أشعره أنني أتعامل معه كطفل؟
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته..
ابني
الغالي، من أجمل الأشياء في رسالتك أنك لا تنظر إلى أخيك باعتباره «مشكلة»، وإنما
ترى وراء سلوكه احتياجًا نفسيًّا، وهذا هو المدخل الصحيح.
أخوك
في العشرين من عمره، وهي مرحلة مهمة جدًّا تسمى Emerging
Adulthood، أي مرحلة الرشد الناشئ؛ وهي الفترة التي يبدأ فيها الشاب
بالانتقال من الاعتماد على الأسرة إلى بناء هويته واستقلاله ومسؤوليته الشخصية.
لكن
يبدو أن أخاك يحمل فوق ذلك عبئًا إضافيًّا: إحساسًا مبكرًا بالمسؤولية تجاه الأسرة
وإثبات الرجولة.
وهنا
قد تظهر حاجة نفسية شديدة إلى إثبات الذات، أو ما يمكن وصفه بـالحاجة إلى الشعور
بأنه كفء وقادر على الاعتماد على نفسه.
ولهذا
عندما تقول له: «نظّم وقتك» قد لا يسمع الجملة كما تقصدها أنت قد يسمعها داخليًا: «أنت
لا تعرف تدير حياتك».
وعندما
تسأله والدته عن المال، قد يشعر: «أنا ما زلت طفلًا في نظرهم».
لذلك
لا أنصحك بأن تدخل معه في صراع حول «من الرجل؟».
ولا
تقل له: «أنت لسه صغير» فهذه العبارة، رغم أنها صحيحة من ناحية الخبرة الحياتية،
قد تدفعه إلى مزيد من العناد.
بدلًا
منها، عامله باعتباره شابًا مسؤولًا يتعلم المسؤولية. فهناك فرق كبير.
قل
له: «أنا شايف إنك بتحاول تعتمد على نفسك، وده شيء أنا مقدّره جدًّا. بس الاستقلال
مش معناه إنك تشيل كل حاجة لوحدك، ولا إنك تصرف فوق قدرتك علشان تثبت إنك قادر». ثم
ناقشه في السلوك نفسه، لا في رجولته.
فالإنفاق
فوق القدرة ليس دليل كرم دائمًا، وقد يكون أحيانًا وسيلة للحصول على القبول أو
إثبات القيمة أمام الآخرين، وهذا يدخل ضمن External Validation،
وهو البحث عن تأكيد القيمة من الخارج.
وهنا
نحتاج إلى مساعدته على بناء Internal Validation، حتى يشعر بقيمته من داخله، من أخلاقه وعمله
والتزامه وتطوره، وليس من حجم ما يدفعه للآخرين.
لذا
أطلب منك أن تساعده عمليًّا كالتالي:
- اجلس معه في جلسة هادئة، وقل: «تعال نحط ميزانية لدخلك. مش علشان
أراقبك، لكن علشان تساعد نفسك».
- قسموا دخله إلى احتياجات أساسية، ادخار، مصروف شخصي، والتزامات
أخرى.
- وإذا كان يريد الزواج مستقبلًا، فليعرف أن الاستعداد للزواج ليس
مجرد القدرة على الإنفاق، وإنما القدرة على تحمل المسؤولية واتخاذ القرار وضبط
الانفعالات وإدارة المال وبناء علاقة صحية.
أما
العلاقة العاطفية نفسها، فلا تدخل معه في إهانة أو سخرية من الطرف الآخر، ولا تجعل
القضية معركة «اتركها فورًا».
- ناقشه في أسئلة أعمق:
«هل
العلاقة دي بتخليك أحسن ولا بتستنزفك؟»
«هل أنت بتصرف لأنك مقتنع، ولا علشان تخاف تخسر الشخص؟»
«هل
علاقتك دي متوافقة مع أهدافك ومسؤولياتك؟»
بهذه
الأسئلة أنت تنقله من رد الفعل إلى التفكير.
وهذا
جزء من Executive
Functions، وهي الوظائف التنفيذية التي تساعد الشاب على التخطيط وضبط
الاندفاع وتأجيل الإشباع واتخاذ القرارات.
- ومن المهم أيضًا أن تتوقف الأسرة عن تحميله بصورة مباشرة أو غير
مباشرة دور الأب. حتى لو كان والدكم رحمه الله قد توفي، ينبغي ألا يشعر أخوك أنه
مطالب بأن يصبح بديلًا عنه. هو ابن الأسرة، وليس المسؤول الوحيد عنها.
ومن
أجمل ما يمكن أن تقوله له: «أنت مش مطالب تثبت إنك راجل طول الوقت. الرجولة مش إنك
مش تحتاج لحد، الرجولة إنك تعرف مسؤوليتك وتعرف إمتى تطلب المساعدة».
قال
الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ وقال سبحانه: ﴿وَلَا
تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾؛ فالدين لا يربينا على الاستعراض وإثبات الذات أمام
الناس، وإنما على الاتزان والمسؤولية.
وقال
النبي ﷺ: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» وهذا
معنى بالغ الأهمية لشاب في هذه المرحلة، مفاده: أن القوة الحقيقية ليست في أن تثبت
أنك لا تحتاج أحدًا، وإنما في أن تستطيع إدارة نفسك وقراراتك وانفعالاتك.
وأنت
كأخ، دورك ليس أن تصبح أبًا ثانيًا له، وإنما أن تكون رفيقًا ناضجًا ومرآة آمنة. قل
له ما تراه، واترك له مساحة الاختيار، وتدخل بوضوح فقط عندما تكون هناك مخاطر
حقيقية أو قرارات قد تؤذيه بشكل جسيم.
- أما إذا لاحظتم أن الإنفاق القهري أو الاندفاع أو الغضب أو
العلاقات المضطربة أصبحت نمطًا متكررًا يعطل دراسته وحياته، فوجود متخصص نفسي
للشباب قد يكون مفيدًا؛ ليس للحكم عليه، وإنما لمساعدته على بناء استقلال صحي.
همسة
أخيرة:
أخوك
لا يحتاج إلى شخص يكرر عليه: «كن رجلًا»، لأنه على الأرجح يحاول إثبات ذلك طوال
الوقت. هو يحتاج إلى من يقول له: «أنت لست مطالبًا بإثبات قيمتك لأحد؛ ابنِ نفسك
بهدوء، وتعلم، وأخطئ، وأصلح خطأك، وأنا موجود بجانبك» ومن هنا يبدأ النضج الحقيقي.
روابط
ذات صلة:
كيف يتعامل «الأخ الأكبر» مع ضغوط والديه وتقصير إخوته؟