الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
19 - رقم الاستشارة : 5912
23/09/2026
ما حكم الصلاة والصيام لركاب السفن البحرية التجارية الذين يستمر سفرهم لأشهر متواصلة؟ وهل يُطبق عليهم أحكام المسافر دائمًا، أم يأخذون حكم المقيم بمجرد اعتياد البحر؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وقد بُنيت
الشريعة الإسلامية على اليسر ورفع الحرج، ومن مظاهر ذلك تشريع رخص السفر من قصر
الصلاة وجمعها والفطر في رمضان. غير أن التطور في طبيعة المهن، كاستمرار العمل
البحري لأشهر متواصلة في السفن التجارية الحديثة، يطرح تساؤلاً فقهياً دقيقاً حول
تحقيق "مناط السفر": هل يُعد هذا البحار منقطعًا عن وطنه فيستحق الرخص،
أم أن تواجده الدائم واعتياده للبحر يجعل السفينة بمثابة وطنه ومحل إقامته الدائم؟
اختصارًا:
ركاب
السفن التجارية والبحارة لهم حالتان:
الأولى: إذا
كان للبحار أو الراكب وطن مستقر على اليابسة، وعائلة تركها خلفه، وسفره في البحر
هو لغرض العمل والتجارة وهو حال غالب البحارة، فإنه يأخذ حكم المسافر مهما طالت
مدة رحلته، ويجوز له قصر الصلاة الرباعية وجمعها، وله رخصة الفطر في رمضان ما دامت
السفينة مبحرة أو راسية في ميناء لا ينوي الإقامة فيه المدة القاطعة للسفر.
الثانية: إذا
كان البحار متخذًا من السفينة وطناً له، وترافقه فيها زوجته وعائلته وأمتعته، ولا
نية له في الاستقرار في بلد معين، فإنه يأخذ حكم المقيم، ولا يجوز له الترخص برخص
السفر؛ لانتفاء معنى الاغتراب ومفارقة الوطن، نص عليه ابن تيمية رحمه الله.
بالنسبة
للصيام: رغم ثبوت رخصة الفطر للبحار المسافر، إلا أنه إن كان عمله يستغرق معظم العام ولا
يجد وقتًا على اليابسة يقضي فيه ما أفطره، فإن كان يستطيع الصوم فعليه أن يصوم في
السفينة إن لم تلحقه مشقة بالغة، لئلا تتراكم عليه الأيام ويعجز عن قضائها فيسقط
الواجب، وإن لحقته مشقة فالفدية.
وتفصيلاً:
فصّل
الإمام ابن قدامة في كتاب "المغني" هذه المسألة بدقة، مفرقًا بين من
وطنه السفينة ومن وطنه اليابسة، فقال: "والملاح الذي معه أهله في سفينته، لا
يترخص برخص السفر؛ لأنه غير ظاعن عن وطنه، وإنما وطنه سفينته... فإن كان له في
البلد أهل، وهو يسافر إليهم، فله القصر".
وجاء
في "المجموع شرح المهذب" للإمام النووي تفريق مشابه؛ حيث نص على أن دائم
السفر كالملاح والمكاري الناقل إن كان له أهل ووطن يرجع إليه قصر، وإن لم يكن له
وطن بل وطنه حيث كان، لم يقصر ولم يفطر.
وذهب
المالكية إلى أن دائم السفر الذي لا مأوى له إلا سفينته لا يقصر الصلاة. قال
الخرشي في شرحه لمختصر خليل: "ومثله أي من لا يقصر الصلاة الملاح الذي معه
أهله في السفينة ولا مأوى له غيرها".
اللجنة
الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء السعودية: سُئلت عن حكم
قصر الصلاة للملاحين الذين يقضون أشهرًا في البحر، فأجابت في فتاواها: "إذا
كان الواقع كما ذُكر من أن لهم سكنًا في البر يأوون إليه إذا قدموا من سفرهم، جاز
لهم أن يترخصوا برخص السفر من قصر الصلاة الرباعية والجمع بين الصلاتين... والفطر
في رمضان وقت سيرهم في البحر".
الشيخ
محمد بن صالح العثيمين: تطرق لمسألة "الصيام" لدائم
السفر كالملاح البحري أو الجوي، وقرر في "الشرح الممتع" وفي فتاواه أنه
إن كان السفر مستمرًا طوال العام، ولا يوجد للمسافر أيام إجازة تكفي للقضاء، فإنه
يصوم في سفره وجوبًا؛ لأن تأخير القضاء إلى ما لا نهاية يؤدي إلى إسقاط الفريضة،
أما الصلاة فله قصرها؛ لأن القصر رخصة أداء لا يترتب عليها قضاء لاحق يعجز عنه.
القواعد
الفقهية الحاكمة في رخصة المسافر لربان السفينة وطاقمها:
الحكم
يدور مع علته وجودًا وعدمًا: العلة في الرخص هنا هي "السفر
ومفارقة الوطن". فإذا وُجدت العلة بأن كان له وطن مستقر فارقه للعمل وُجدت
الرخصة، وإذا انتفت بأن جعل السفينة وطناً له ولأهله انتفت الرخصة وعاد لأصل
الإقامة.
المشقة
تجلب التيسير: السفر الطويل مظنة المشقة، فشرعت الرخص كقصر الصلاة
تخفيفاً. لكن استمرار هذه الرخصة في الصيام لمن لا يجد وقتًا للقضاء يوقع في مشقة
أكبر وهي تراكم الواجبات، لذا يُلزم بالصوم حال القدرة.
الرخصة
لا تبطل بالاستدامة: السفر الطويل الممتد لأشهر لا يمنع من
استخدام الرخص طالما أن الوصف الشرعي للسفر متحقق، ولم ينوِ المسافر الإقامة
المطلقة التي تقطع حكم السفر كإقامة أكثر من أربعة أيام في ميناء معين عند جمهور
الفقهاء. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة: