هل الفنون قادرة على إنتاج الأخلاق؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : فكر معاصر
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 96
  • رقم الاستشارة : 4666
25/04/2026

يقلل غلاة العلمانية من دور الدين في إنتاج الأخلاق ويدّعي هؤلاء أن الفنون والموسيقى قادرة على إنتاج الأخلاق.. فما صحة هذا الادعاء؟

الإجابة 25/04/2026

أخي الكريم، يحاول غلاة العلمانية أن يزيحوا ويطمسوا على أي دور للدين في المجتمع، وأن يروجوا هامشية الدين في الحياة، وأن هناك بدائل إنسانية يمكن أن تؤدي نفس وظائف الدين وأدواره في بناء منظومة أخلاقية تستمد قيمها من الفنون والآداب، وبالتالي تكون الفرضية المنطقية، وفق هؤلاء الغلاة، أننا لا حاجة لنا في الدين.

 

هل الفن ينتج أخلاقًا؟

 

أخي الكريم، الفن هو نوع من الإبداع المتأثر بالقيم الموجودة في المجتمع، وكذلك القيم التي يحملها مُنتج هذا الفن والإبداع، وقد جاءت نشأة الفنون قديمًا في إطار المعابد، وهو ما يعني أن رجال الدين -حينها- رأوا أنهم في حاجة إلى أسلوب جديد لتغيير أفكار الناس وأخلاقهم وسلوكياتهم من خلال مخاطبة الإنسان من طريق مختلف ينفذ إلى الأعماق، فكان هذا الطريق هو اللجوء للفنون.

 

كانت نشأة الفن –قديمًا- تكاد تكون حصرية لخدمة القضية الدينية والأخلاقية، واستمر تأثير الفن في الإنسان على مر الزمان، لكن يظل الفن وسيلة ينطلق منها الإنسان إلى شيء آخر؛ فالإنسان في أغلب الأحيان لا يتوقف عند الفن فقط، ولكن الأهم هو الحمولة الدينية والأخلاقية التي يحملها ذلك الفن ويستهدف إيصالها للناس.

 

والحقيقة أن المسافة شاسعة بين الدين والفن في عملية إنتاج الأخلاق والقيم؛ فالدين هو المصدر الأساسي للقيم الأخلاقية، أما الفن فقد يؤثر في تمسك الناس بالأخلاق أو تمثلهم للأخلاق في حياتهم، لكن ليس منتجًا للقيم الأخلاقية، كما يؤثر الفن في الالتزام أو عدم الالتزام بالنزعة الأخلاقية للناس.

 

ويلاحظ في كثير من الفنون أنها تسعى لتأكيد أو نفي مبدأ أخلاقي، ولو نظرنا إلى الأدب -مثلا- عندما يقدم بعض الشخصيات في رواياته، فإنه يطرح صراع الفكرة الأخلاقية من خلال شخوص أبطال العمل الأدبي، وبذلك يقدم درسًا أخلاقيًّا دون أن يعيش الناس نفس الصراع وهو ما يتيح فرصة للتأمل وتنمية ملكة الخيال، فينتقل الشخص من العالم الضيق الذي ينحصر فيه مكانيًّا وشعوريًّا إلى أفق أوسع وأكثر تنوعًا وأقدر على مخاطبة أعماقه وأخلاقه.

 

الدين وإنتاج الأخلاق

 

الدين دوره جوهري في إنتاج الأخلاق، ولا دين بلا منظومة أخلاقية، والفصل بين الدين والأخلاق هو من إنتاج الحداثة والعلمنة، وهو ما أكده الفيلسوف المغربي "طه عبد الرحمن" الذي أعطي اهتمامًا فلسفيًّا للعلاقة بين الدين والأخلاق، فبرأيه أن العلمنة لا تنتج أخلاقًا، وأن ما يميز الإنسان عن الحيوان ليس العقل والتفكير، ولكن الأخلاق، ويؤكد ذلك في كتابه "سؤال الأخلاق" بقوله: "الأخلاقية -لا العقلانية- هي وحدها التي تجعل أفق الإنسان مستقلاً عن أفق البهيمة"؛ فـ"الأخلاقية هي ما به يكون الإنسان إنسانًا"، فـ"لا إنسان بغير خُلق".

 

ومن ثم فالأخلاق هي جوهر الدين في رؤيته الفلسفية؛ بل إن الدين هو أخلاق، فيقول: "أسباب الأخلاق من أسباب الدين، حتى أنه لا حدود بينة مرسومة بينهما".

 

ورأى "طـه" أن أولى الآفات التي أصابت الأخلاق مع الحداثة الغربية هي "الدهرانية"، أي فصل الدين عن الأخلاق، فانغمست الأخلاق في الماديات والشهوانيات والفردانية المفرطة؛ وبهذا أقامت تلك الأخلاق نفسها ضد الدين ذاته، ولعل ذلك يرجع إلى أنه يرى أن الفطرة هي مستودع القيم الأخلاقية ذات الأصل الديني.

 

موضوعات ذات صلة:

هل يصنع «الفن» وعي الأمم أم يغيّبه؟

بين التأثير والاختصاص.. هل نجعل الفن منبرًا للدعوة؟

«صحاب الأرض».. وإعادة تعريف الهوية البصرية للدراما

«أب ولكن».. دعوى درامية لإنقاذ مستقبل الأبناء

الرابط المختصر :