الإستشارة - المستشار : د. أميمة السيد
- القسم : الأطفال
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
350 - رقم الاستشارة : 3307
15/11/2025
يا دكتورة أنا جاية لك من كتر ما قلبي موجوع ومش عارفة أعمل إيه…
أنا بحب أمي جدًا ومقدّرة ظروفها وكِبر سنّها وكل حاجة، بس كل زيارة ليها بتبقى يوم صعب عليّ أنا وبنتي.
بنتي عندها ١٠ سنين، ومن وهي صغيرة وأنا ملاحظة إن أمي بتتعامل معاها بقسوة شوية… دايمًا تنتقدها، تعلّق على لبسها، على تصرفاتها، حتى طريقة كلامها.
المشكلة إن المعاملة دي مش بتكون مع أولاد وبنات أختي اللي عايشين معاها من يوم ما جوزها توفّي… بالعكس، بحس إنها بترقّق لهم الكلام وبتدلّلهم، وده بيكسر بنتي جدًا.
البنت بقت مش طايقة تزور جدتها، وتخاف تدخل البيت، وكل ما أقولها "يالا نزور تيتا" تعيّط وتقول: هي مش بتحبّني يا ماما… بتحب ولاد خالتي بس.
أنا في صراع… أمي غالية عليّا، وفي نفس الوقت بنتي برضه غالية، ومش عايزاها تتحمّل قسوة أو مقارنة تكسر نفسها.
يا دكتورة، أتعامل إزاي؟
أوازن إزاي بين برّي بأمي وحماية بنتي؟
وهل أواجه أمي ولا أسكت؟
أختي الكريمة،
أقدّر مشاعرك تمامًا، وأتفهم الصراع الداخلي الذي تعيشينه بين محبتك لوالدتك، وحرصك الأصيل على حماية مشاعر طفلتك. وهذه الحالة شائعة في كثير من البيوت، حيث تتقاطع مشاعر البِرّ مع مشاعر الأمومة الحامية، ويحتاج الأمر إلى توازن حكيم ولطيف.
فهم مشاعر ابنتك
طفلتك في مرحلة عمرية يتكوّن فيها مفهوم الذات (Self-Concept)، وتتأثر كثيرًا بالتعليقات والمقارنات..
والنقد المتكرر من الجدة قد يهدّد لديها ما يُسمّى بـ الأمان العاطفي (Emotional Security)، وهو عنصر أساسي في الصحة النفسية للبنت والأسرة. وكرهها للزيارة ليس تمرّدًا، بل استجابة نفسية طبيعية تجاه مصدر يسبب لها الألم.
قال النبي ﷺ: "ليس منا من لا يوقر كبيرنا ويعطف على صغيرنا"، وفي هذا تربية واضحة على اللين والرِّفق في الكلام مع الصغير، وهذه تكون البداية حتى يحب الصغير الكبير ويوقره ويحترمه.
فهم سلوك والدتك
ما تفعله والدتك قد لا يكون بدافع التفرقة الحقيقية، بل قد يكون ناتجًا عن نمط تربوي قديم متوارث، أو عن شعور بالمسؤولية الزائدة تجاه أبناء أختك الذين يعيشون معها، فتظهر لهم حنوًّا زائدًا دون وعيٍ منها بأن هذا يجرح حفيدتها (ابنتك).
الكبار -دون قصد- قد يمارسون أسلوب النقد المتواصل، ظنًّا منهم أنه تربية، بينما هو في الحقيقة يترك أثرًا نفسيًّا بالغًا على الطفل.
كيف تقومين بحماية الطفلة دون قطيعة؟!
دورك الآن هو وضع حدود تربوية متوازنة، تحفظ مكانة والدتك، وتحمي ابنتك في الوقت ذاته.
ولذا أقترح الآتي:
1- تقليل مدة الزيارة دون قطعها، حتى لا تتعرّض طفلتك لمواقف مؤذية متكررة.
2- البقاء بجانب ابنتك أثناء الزيارة، والتدخل بلطف عندما يصدر تعليق جارح، بعبارات تحفظ هيبة الجدة مثل: "ماما، اسمحي لي أوضح لها بطريقتي.. هي ما زالت طفلة تتعلم تدريجيًّا".
3- تعزيز ثقة طفلتك بذاتها (Self-Esteem Building) بعد كل زيارة، وذلك بإظهار حبّك واحتوائك، وتعليمها مهارات التعامل مع النقد بكل أدب ولباقة.
ضرورة الحديث مع الأم ولكن بحكمة وأدب
من حق ابنتك عليكِ أن تدفعي عنها الأذى، ومن حق والدتك أن تُحفظ مكانتها.
الحل هو حديث هادئ موجّه، بلا لوم ولا اتهام، وبأسلوب "أنا أشعر".. وليس "أنتِ تفعلين.."، مثل أن تقولي لها: "يا أمي، أنتِ غالية على قلوبنا جميعًا، وأنا أحب أن تكبر ابنتي وهي متعلقة بك. لكنها تتأذى قليلًا من بعض التعليقات. لو خفّفنا منها ستكون العلاقة أقوى وأجمل". هذا الأسلوب يُخفّف الدفاعية النفسية (Defensiveness) ويزيد من تقبّلها للنصيحة.
غرس قيمة البرِ في الطفلة
احرصي على غرس قيمة البِرّ في الطفلة، وعلّمي ابنتك أن اختلاف الطباع لا يعني انعدام الحب، وأن برّ الجدة واجب، لكن دون تعريض النفس للأذى.
واجعليها ترى منك قدوة في الاحترام وبر والدتك، فالطفل يكتسب من سلوك الوالدين ما يُسمّى بـ التعلّم بالملاحظة (Observational Learning).
علميها وأكدي لها على معنى قول الله تعالى: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾. وكذلك قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. والقول الكريم يمكن أن يجتمع مع الحماية الرحيمة.
تهيئة الطفلة نفسيًّا قبل الزيارة
قبل زيارة الجدة، اشرحي لها بلطف: "يا حبيبتي، تيتا طباعها مختلفة، لكن قلبها طيب. وإن حدث شيء يضايقك فأنا بجانبك ولن أسمح لأحد أن يجرحك"، فهذا يُعزّز لديها الشعور بالأمان ويخفّف من توترها.
وإن أمكن أن تتركي ابنتك مع والدها، فليس من الضروري أن تصطحبيها معك في كل زيارة.
وأخيرًا، أختي الغالية، أنتِ لستِ مضطرة للاختيار بين أمك وابنتك، بل يمكنك ببعض الحكمة والحدود الواضحة أن تحفظي البِرّ وتحمي الابنة، وتحققي ما يُسمّى في علم النفس الأسري بـ التوازن الوظيفي في العلاقات الأسرية (Functional Family Balance).
وهمسة أخيرة:
بمزيد من الرفق، والتوجيه اللطيف، سيخفّ التوتر تدريجيًا، وستُبنى علاقة أكثر رحمة بين الجدة والحفيدة بإذن الله تعالى.
روابط ذات صلة: