الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فتاوى أخرى
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
451 - رقم الاستشارة : 3475
06/12/2025
هل يجوز لمغسلة الأموات أن تروي ما ترى من عبر؟ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أنا امرأة أعمل في تغسيل الموتى، وهذا العمل جعلني أرى مشاهد تهز القلب وتذكرني بالآخرة. أحيانًا أتعرض لمواقف لا أنساها، وأشعر أنها تحمل عبرة كبيرة.
من أكثر الحالات التي أثرت فيّ: كانت هناك امرأة ميتة، غُسلها كان سهلًا جدًا، لكن وجهها كان مكشر بطريقة غريبة، وعينيها فيها دموع. بقيت محتارة جدًا، أقول في نفسي: يا ترى حالها عند الله إيه؟ ثم عرفت أنها كانت ميتة "مبطونه" أي من أصحاب الأمراض، فنحسبها عند الله من الشهداء.
المشهد الذي زلزلني من الداخل هو عندما دخل أخوها أثناء الغسل، وبدأ يطمئنها على أولادها، وقال لها: "ولادك أمانة في رقبتي وأنا مش هسيبهم". فجأة تحول وجهها من التكشير إلى ابتسامة كبيرة جدًا، حتى ظهرت أسنانها، وكأنها ارتاحت بمجرد سماع كلامه.
أنا هنا أسأل فضيلتكم: هل يجوز لي أن أروي مثل هذه القصص والعبر للناس، لكن دون ذكر أسماء أصحابها، فقط للعظة والتذكير بحسن وسوء الخاتمة؟
وهل في ذلك أجر، أم أنه يدخل في باب كشف أسرار الأموات؟ وكيف أوازن بين الأمانة في عملي وبين رغبة الناس في سماع العبر التي توقظ القلوب؟
أكتب لكم بصدق كأم وزوجة وامرأة تعمل في هذا المجال، وأريد أن أكون على بيّنة من الحكم الشرعي حتى لا أقع في خطأ أو إثم.
بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فبداية نبشرك أختي الكريمة بعملك هذا فقد صح عن النبي ﷺ أنه قال: من غسّل ميتًا فكتم عليه غُفر له أربعين مرة، ومن كفّن ميتًا كساه الله من سندس وإستبرق الجنة، ومن حفر لميت قبرًا وأجنّه (أي ستره) فيه أجري له من الأجر كأجر مسكن إلى يوم القيامة، وهذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وأقره على ذلك الذهبي في التلخيص، وصححه أيضًا الألباني.
والأصل فيمن يقوم على تجهيز الميت (تغسيلًا وتكفينًا) هو الستر وحفظ ما يراه من أمور الميت. وهذا من أعظم الأمانات.
الحكاية للعبرة بشروط
ولا مانع شرعًا من حكاية هذه القصص للعبرة بشروط من أهمها:
1. أن تلتزمي الأمانة في النقل بغير زيادة ولا نقصان من أجل التشويق وجذب الانتباه، وتذكري حديث النبي ﷺ "إن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابا".
2. لا تخبري عن صاحب الواقعة ولا تشيري إليه من قريب ولا بعيد كما ذكرت في السؤال.
3. كذلك لا نجزم بشيء للميت ونكل أمره إلى الله.
4. ولا نروي ما هو شر مثل سواد الوجه أو الرائحة الكريهة وغير ذلك فعلم ذلك كله عند الله، ولا يدل هذا حتمًا على سوء الخاتمة فقد يكون بسبب طريقة الوفاة، أو لسبب يعلمه الله تعالى.
فامضي -أختي الكريمة- على بركة الله اروِ ما ترين من مواقف الخير والبشرى، بنية صادقة وبدون تحديد هويات. اجعلي من مجال عملكِ هذا منبرًا صامتًا للدعوة، تروين من خلاله قصصًا توقظ القلوب الغافلة، وتثبّت القلوب المؤمنة، وتذكر الجميع باللقاء الحتمي مع الله. إن قصصكِ هذه أبلغ من ألف خطبة؛ لأنها من واقع تلمسينه، ومن حقيقة لا مفر منها. أسأل الله أن يجزيكِ عن عملك وعن نيتك الصالحة خير الجزاء، وأن يجعلنا وإياكِ ممن يُحسن عمله ويُحسن ختامه.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط ذات صلة: