الفكاكون.. مهنة نادرة في الحضارة الإسلامية

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. مصطفى عاشور
  • القسم : تاريخ وحضارة
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 137
  • رقم الاستشارة : 4494
04/04/2026

عرفت الحضارة الإسلامية مهنة غريبة ومهمة وهي "الفكاكون" الذين كانوا يسعون لفكاك الأسرى، فقد كانت في البداية طوعية ثم اتخذوها بعد ذلك مهنة، فكانوا يجوبون مناطق الصراع بحثا عن الأسرى لفكاكهم، والتحصل على مكاسب من وراء ذلك..فهل يمكن أن تعطونا فكرة عن هذه المهنة النادرة؟

الإجابة 04/04/2026

أخي الكريم، كانت الحضارة الإسلامية رائدة في كثير من المجالات، ولعل عمقها الإيماني التوحيدي، وبعدها الإنساني، جعلها حضارة نفع ورحمة للناس، حتى في الجوانب التي كان الأفراد يتحصلون منها على أرباح وميزات.

 

و"الفكاكون" مهنة عرفتها الحضارة الإسلامية في الأندلس، وكان هؤلاء الفكاكون يجوبون مناطق الصراع بحثًا عن الأسرى، ثم يتقاضون الكثير من الأموال على فكاكهم، ثم يجرون عملية إطلاق السراح عبر مفاوضات ومساومات مضنية، وهي مهمة تشبه إلى حد كبير ما تقوم به المنظمات الإنسانية كالهلال الأحمر والصليب الأحمر وجمعيات حقوق الإنسان في وقتنا الراهن.

 

فكاكو الأندلس

 

كانت مهنة فكاك الأسرى من المهن المستحدثة في الأندلس، حيث شهدت تلك الأرض صراعًا طويلاً استمر لقرون بين الإسلام والنصرانية، وكان الأسرى يقعون في أيدي الجانبين، وكانت عمليات الفداء والمبادلة عملية نشطة وبخاصة قبيل أفول الوجود الإسلامي في الأندلس.

 

في كتاب "تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس" تأليف الدكتور "خليل السامرائي" وآخرين، حديث عن الفكاكين، يقول: "وجدت طائفة في مملكة غرناطة تسمى (الفكاكين) ومهمتها تسهيل تبادل الأسرى بين مملكة غرناطة والممالك الإسبانية، وقد عُرف الفكاكون بالاستقامة والصدق وتمتعوا بثقة الطرفين، ونالوا أجورًا عالية بدل أتعابهم".

 

وفي دراسة أخرى للباحث "ناصر محمد" بعنوان "نشاط افتكاك الأسرى المسلمين بالأندلس ما بين القرن(5هـ حتى 9هـ) ذكر أن هذا الدور كان نشطًا في الأندلس طيلة أربعة قرون على الأقل، وأن "فكاك الأسرى بالأندلس كان من أهم المشكلات التي عرفها المجتمع الأندلسي؛ فخلال الفترة النصرية (أو بني الأحمر وهي أسرة حكمت غرناطة آخر معاقل المسلمين في الأندلس) أصبح افتكاك الأسرى أكثر تنظيمًا، حيث ذكر الفُكاك في اتفاقية الهدنة بين غرناطة وقشتالة، ويعود ذلك لثبات الحدود بين البلدين، ووجود آليات قانونية حافظت على سريان اتفاقيات السلم بين الطرفين".

 

وتشير بعض كتب الأندلس إلى أن اليهود هم أول من مارس هذا النشاط لمعرفتهم باللغات خاصة العربية، وكذلك ممارستهم للتجارة، ويلاحظ أنه بعد هزيمة الموحدين في معركة "العقاب" سنة (609هـ=1212م) أمام النصارى، ظهرت في مملكة قشتالة النصرانية قوانين تنظم عمل هؤلاء "الفكاك".

 

وتشير كتب التاريخ إلى أن هذا النشاط انتقل إلى الجانب النصراني في الأندلس، وكان "فكاك النصارى" يقلدون "فكاك المسلمين" في أزيائهم وطريقة عملهم، ومع ثبات الحدود بين غرناطة وقشتالة زاد نشاط الفكاك من الجانبين.

 

وتذكر كتب التاريخ كذلك أنه "من بين بنود الهدنة الموقعة في (813هـ=1410م) نص يقول: "يمكن للفكاكين الدخول لإقليم قشتالة ومملكة غرناطة، ويمنع ذلك في حال عدم وجود رخصة من ملك الإقليم الذي ينتمي إليه الفكاك.. وتسري هذه الهدنة أو الاتفاقية في البر وفي المنافذ والموانئ البحرية، ويمكن لفكاكي الإقليمين القشتالي والغرناطي البحث عن أسرى مواطنهم وافتكاكهم، ويتمتع هؤلاء الفكاكون بالحماية من كلا الطرفين، ولا يمكن لأي شخص آخر الدخول إلى غير إقليمه بدون رخصة من الملك إلا هؤلاء الفكاكون".

 

ومن أسماء الفكاكين التي ظهرت في تلك الفترة الوزير الغرناطي "سعد الأمين" وزير الأمير الغرناطي يوسف الثالث، واليهودي "دييغو فرنانديز" الفكاك الكبير في قشتالة، وبقي اسم هذين الفكاكين الكبيرين يتكرر في الحوليات المسيحية في المراسلات بين غرناطة والممالك المسيحية، وشهدت تلك الفترة فكاك عدد كبير من الأسرى.

 

وعموما أخي الكريم، كانت تلك المهنة من المهن النادرة التي ظهرت في الحضارة الإسلامية في الأندلس، ثم ما لبثت أن اختفت وتلاشت مع محاكم التفتيش وعمليات طرد المسلمين من الأندلس وإنهاء وجود الإسلام هناك.

 

موضوعات ذات صلة:

كيف أنقذت الحضارة الإسلامية أسراها؟

فكاك الأسير واجب شرعي.. نداء الشريعة وصرخة الضمير

حقوق الأسرى بين الشريعة الإسلامية والقانون الدولي

معاملة الأسير.. بين النظم الغربية والنظام الإسلامي

الرابط المختصر :