الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : فقه الأسرة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
876 - رقم الاستشارة : 3958
27/01/2026
ما مقاصد النكاح في الشريعة الإسلامية وهل عدم مراعاتها يؤثر على حكم النكاح؟
بسم الله، والحمد لله، والصلاة
والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فالنكاح في الشريعة الإسلامية ليس
مجرد علاقة لإشباع الغريزة، بل هو نظام مقاصدي متكامل يهدف إلى بناء الفرد والأسرة
والمجتمع، ويحقق التوازن بين الجسد والروح، وبين مصلحة الفرد ومصلحة الأمة، ضمن
رؤية وسطية تحفظ الفطرة وتضبطها.
لكن عدم مراعاة المقاصد لا يبطل
العقد، ولا يجعل العلاقة محرمة بين الزوجين، لكنه يفقد العقد معناه وحقيقته ومقصده
الذي شرع من أجله، وبالتالي لا يحقق الثمار المرجوة منه، وعلى المسلم أن يستوفي
الأحكام الفقهية والمقاصد الكلية والجزئية لعقد النكاح.
مقاصد النكاح
ومن أهم هذه المقاصد: أن النكاح سكينة
نفسية وروحية، وأنه عفاف وإشباع فطري منضبط، وأنه شرع حفظ النسل وبقاء الأمة، ويعد
النكاح تماسكًا اجتماعيًّا، وشهادة حضارية على عدالة الإسلام.
ويمكننا إيجاز هذه المقاصد فيما يلي:
المقصد الأول: السكن والمودة والرحمة
فالسكن هو الطمأنينة النفسية
والاستقرار الوجداني، وهو مقصد أصيل من مقاصد النكاح، تندرج تحته المودة (المحبة)
والرحمة (الشفقة والتراحم عند الضعف).
والأدلة عليه كثيرة نذكر، منها:
- قوله تعالى: ﴿لِتَسْكُنُوا
إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].
- قوله تعالى: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ
وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ [البقرة: 187].
وقد أكد الأستاذ سيد قطب – رحمه
الله – على أن العلاقة الزوجية ليست مجرد التقاء جسدي، بل سكن للنفس
والعصب واستقرار للحياة.
وبيّن الغزالي – رحمه الله
- أن في الأنس بالزوجة وترويح النفس تقويةً للقلب على الطاعة، وأن ذلك مقصد معتبر
شرعًا.
وأشار الفقهاء إلى أن هذا السكن يُعدّ
غاية تشريعية، وتُبنى عليه أحكام العِشرة بالمعروف ومنع الإضرار.
المقصد الثاني: الإشباع الجنسي
المشروع
الإشباع الجنسي مقصد شرعي معتبر، لا
يتنافى مع التقوى، بل يُعد وسيلة للعفاف، وحفظ النفس، وغض البصر، وصيانة المجتمع
من الفاحشة.
ومن الأدلة على هذا المقصد:
- قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ
لَّكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: 223].
- وحديث النبي ﷺ: «وفي بُضع أحدكم
صدقة» (رواه مسلم).
وقرر الفقهاء أن الاستمتاع الحلال
نعمة مقصودة شرعًا، وأحاطوه بضوابط تمنع الضرر.
وجعلوا العيوب المانعة من الاستمتاع
(كالجب والعنة والقرن) سببًا لفسخ النكاح، مما يدل على اعتبار هذا المقصد.
ونبّه الغزالي – رحمه الله
- إلى أن اللذة الجنسية لها بعد تربوي إيماني، إذ تذكّر بلذات الآخرة وتدفع
للعبادة، واتفق الفقهاء على أن الإشباع الجنسي ليس هو المقصد الوحيد، لكنه مقصد
معتبر لا يجوز إلغاؤه أو تضخيمه.
المقصد الثالث: تحصيل الولد وتكثير
الأمة:
يهدف النكاح إلى حفظ النوع الإنساني،
واستمرار الأمة، مع الحفاظ على النسب، وبناء أجيال صالحة كمًّا وكيفًا.
ومن الأدلة على هذا المقصد ما يلي:
قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ
يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا
لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74].
حديث النبي ﷺ: «تزوجوا الودود الولود
فإني مكاثر بكم الأمم» (رواه أبو داود).
وذكر الإمام الغزالي – رحمه
الله –أن الولد هو الأصل في مشروعية النكاح، وأن الشهوة جُعلت باعثًا لتحقيق هذا
المقصد.
ذكر أن طلب الولد قربة من جهات
متعددة: بقاء النوع، ومباهاة النبي ﷺ، ودعاء الولد، والشفاعة.
وأكّد الفقهاء أن حفظ النسب مقصد
عظيم، ومن أجله شُرعت أحكام الزواج والعدة والميراث.
المقصد الرابع: التماسك الاجتماعي:
الأسرة في الإسلام وحدة اجتماعية لا
فردية، والزواج وسيلة لربط الأسر والعشائر، وبناء مجتمع متماسك متعاون.
والأدلة على هذا المقصد كثيرة، منها:
- اشتراط الولي والشهود والإشهار.
- منع الزواج السري والزواج المؤقت.
وذكر ابن عاشور – رحمه الله
- أن مقاصد أحكام النكاح ترجع إلى تمييزه عن السفاح، وإبعاده عن التوقيت.
وأكّد الفقهاء أن علنية الزواج تحمي
الأعراض والأنساب، وتقوّي احترام المجتمع للأسرة. وجعلوا التحكيم الأسري عند
الشقاق وسيلة لحماية الروابط الاجتماعية.
المقصد الخامس: الشهادة على الناس
الأسرة المسلمة نموذج عملي للتديّن،
تشهد بواقعها على صلاح الشريعة وقدرتها على إسعاد الإنسان.
والدليل على هذا المقصد: قوله تعالى:
﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143]، وقد أوضح عبد المجيد
النجار أن الأسرة ذات بُعد رسالي، وسلوكها العملي تبليغ صامت للدين، وأكّد أن
إقامة حدود الله داخل الأسرة سبب لبقائها، والإخلال بها مبرّر لانفصامها.
وشدد الفقهاء على أن استقامة الأسرة
جزء من مسؤولية الأمة في الشهادة على الناس.
ولا يخلو الزواج بعد هذه المقاصد
الرئيسة من مقاصد تبعية أو فرعية، منها أن المرأة تجد زوجا ينفق عليها، ويصونها من
التبذل، والزوج يجد من يقوم على خدمته وخدمة أولاده، وإيناس وحشته، وغير ذلك من
المقاصد التي لا يمكن حصرها.
والله تعالى أعلى وأعلم
روابط
ذات صلة:
12 خطوة لتعزيز الوعي بأهمية الزواج ودعم الشباب للارتباط بنجاح
كيف واجه الإسلام الشهوة الجنسية؟
برنامج المودة والرحمة.. دليلك العملي للسعادة الزوجية (2)