<p>رفع الله قدركم، ونفع بكم وبعلمكم وجهودكم الإسلام والمسلمين. أود أن أستفتي فضيلتكم في مسألة تتكرر كل عام، وهي الاحتفال بالهالوين، أو ما يُعرف بعشية عيد جميع القديسين، خاصةً مع انتشار هذه المناسبة في بعض المجتمعات العربية والإسلامية، ومشاركة بعض المسلمين فيها من باب الترفيه والتسلية، دون أن تكون لديهم خلفية دينية عنها.</p><p> بحسب ما قرأت، فإن لهذه المناسبة جذورًا تاريخية قديمة ارتبطت بطقوس وثنية عند بعض الشعوب، ثم ارتبطت لاحقًا بتقاليد نصرانية، أما اليوم فقد أصبحت في كثير من الأماكن مناسبة ترفيهية وتجارية، يرتدي فيها الناس أزياء تنكرية مخيفة، مثل الأشباح والوحوش، ويطوف الأطفال على البيوت والمحلات لطلب الحلوى، كما تُزيّن المقاهي والفنادق والمدارس بأشكال اليقطين المنحوت والمجسمات التي ترمز إلى الموتى والأشباح وغيرها.</p><p> والملاحظ أن كثيرًا ممن يشاركون فيها من المسلمين لا يقصدون أي معنى ديني، وإنما يفعلون ذلك للتسلية ومجاراة ما هو منتشر من أنشطة وفعاليات، خصوصًا للأطفال. ومن هنا أحببت أن أعرف الحكم الشرعي لهذه المسألة، وهل يختلف الحكم باختلاف النية أو طبيعة المشاركة؟ فهل مشاركة المسلم في هذه الحفلات، أو السماح لأطفاله بالمشاركة وارتداء الأزياء الخاصة بها، تُعد من التشبه بغير المسلمين، حتى لو لم يقصد بذلك أي معنى ديني؟ وكذلك ما حكم من يتعامل معها من الناحية التجارية، كمن يبيع الأزياء المخصصة للهالوين، أو يزيّن المحلات والمقاهي بهذه المظاهر، أو ينظّم فعاليات خاصة بها بقصد الربح؟</p><p> وأود أيضًا معرفة الفرق بين هذه المناسبة وبعض العادات الموجودة في مجتمعاتنا، مثل القرقيعان وحق الليلة، حيث يخرج الأطفال لجمع الحلوى وتكون هناك مظاهر احتفالية متوارثة. فهل يُنظر إلى هذه العادات من الباب نفسه، أم أن الحكم يختلف بحسب أصل المناسبة ومضمونها وما يصاحبها من ممارسات؟</p><p>أرجو من فضيلتكم بيان الحكم في هذه المسائل، مع توضيح الضوابط الشرعية التي يمكن أن يستند إليها المسلم في التمييز بين العادات الترفيهية المباحة والمناسبات التي لا ينبغي المشاركة فيها، حتى يكون موقفه مبنيًا على علم وبصيرة، بعيدًا عن التشدد من غير دليل أو التساهل فيما لا يجوز. جزاكم الله خيرًا، ورفع قدركم، ونفع بعلمكم، وكتب لكم الأجر.</p>
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، الاحتفال
بـ "الهالوين" من النوازل الثقافية التي وفدت إلى المجتمعات الإسلامية
متدثرة بثوب الترفيه والتجارة. ورغم تفريغ المناسبة في العصر الحديث من مضمونها
العقائدي المباشر عند كثير من ممارسيها، إلا أن الشريعة الإسلامية تنظر إلى
الأفعال ومآلاتها، وتربط المسلم بهويته وعقيدته، وتصون عقله ونفسية أبنائه من
التطبيع مع رموز الخرافة، وتمجيد الموتى، والأرواح الشريرة، وهو ما يحتم التفريق
الدقيق بين العادات الاجتماعية المجردة، وبين الطقوس المستوردة ذات الجذور الوثنية.
اختصارًا:
لا
يجوز شرعًا للمسلم المشاركة في احتفالات "الهالوين"، ولا اصطحاب الأطفال
لجمع الحلوى فيه، ولا ارتداء أزيائه التنكرية، حتى وإن كانت النية مجرد الترفيه
والتسلية وليس الاعتقاد؛ لأن الفعل في ذاته يُمثل تشبهًا صريحًا بغير المسلمين في
أعيادهم ذات الأصول الوثنية والدينية. كما يَحْرُم التعامل التجاري مع هذه
المناسبة بيعًا وتصنيعًا وترويجًا وتزيينًا؛ لكونه من باب الإعانة على نشر ثقافة
تتناقض مع العقيدة الإسلامية.
أما
العادات الشعبية كـ "القرقيعان" وحق الليلة، فهي تختلف جذريًّا عن
الهالوين؛ لكونها عادات اجتماعية بحتة لا ترتبط بأي جذور عقدية أو وثنية أو رموز
شيطانية، وإن اختلف المعاصرون في حكمها بين الإباحة والمنع، إلا أن علة المنع فيها
إن وجدت تختلف تمامًا عن علة التحريم القطعي للهالوين.
وتفصيلاً:
أولاً:
حكم المشاركة في الهالوين وارتداء أزيائه
ترجع
جذور الهالوين إلى مهرجان "السامهاين" الوثني عند طائفة السلتيك، والذي
ارتبط بطرد الأرواح الشريرة واعتقاد عودة الموتى، ثم تبنته الكنيسة لاحقًا باسم
"عشية عيد القديسين". والمشاركة فيه محرمة للأدلة التالية:
روى
أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، أن النبي ﷺ قال: "من
تشبَّه بقومٍ فهو منهم". وهذا الحديث أصل في المنع من تقليد غير المسلمين في
خصائصهم وأعيادهم.
وقرر
شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم
إجماع الصحابة على المنع من حضور أعياد المشركين، ونقل أثرًا مشهورًا عن عمر بن
الخطاب رضي الله عنه رواه البيهقي في السنن الكبرى، قال فيه: "اجتنبوا أعداء
الله في عيدهم". وبيّن ابن تيمية أن الأعياد من أخص ما تتميز به الشرائع
والدين، وأن الموافقة فيها حتى للترفيه تورث نوعًا من المودة والتطبيع الباطني مع
معتقداتهم.
ومجرد
النية الصالحة لا تبرر العمل الفاسد. ارتداء ملابس الشياطين والسحرة والمشاركة في
طقس وثني هو إقرار عملي بهذه الرموز وتطبيع لعقول الأطفال معها، وهو ما يتنافى مع
مقصد الشريعة في تنشئة الطفل على التوحيد ونبذ الخرافة.
ثانيًا:
حكم التجارة والترويج للهالوين
يأخذ
العمل التجاري المتعلق بالهالوين مثل بيع الأزياء، وتزيين المحلات باليقطين وشباك
العنكبوت، وتنظيم الحفلات حكم المشاركة فيه، وهو التحريم.
النص
الشرعي: قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۖ وَلَا
تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة: 2).
وقد
نص فقهاء المذاهب الأربعة على تحريم بيع ما يُستعان به على المحرمات أو ما يخص
أعياد غير المسلمين الوثنية. ومثال ذلك في كتب الفقه منع بيع العصير لمن يُعلم أنه
يتخذه خمرًا، ومنع بيع الأصنام والصلبان. وقياسًا عليه، يحرم بيع كل ما هو مخصص
خصيصًا لإحياء هذا العيد البدعي الوثني؛ لأن في ذلك ترويجًا لثقافتهم وإعانة على
إظهار شعائرهم في بلاد المسلمين.
ثالثًا:
الفرق بين الهالوين وعادات القرقيعان وحق الليلة
يختلف
الهالوين عن العادات التراثية الخليجية والعربية اختلافًا جذريًّا من حيث
"الأصل" و"المضمون":
من
حيث الأصل: القرقيعان عادة اجتماعية محضة نشأت للتعبير عن الفرح بصيام الأطفال
وتشجيعهم، وليس لها أي امتداد عقائدي أو وثني أو ديني لغير المسلمين.
من
حيث المضمون: القرقيعان يعتمد على ارتداء الملابس الشعبية الجميلة وترديد أهازيج
بريئة تتضمن الدعاء، بينما الهالوين يعتمد على استحضار الرعب، والأرواح الشريرة،
ولباس الشياطين والسحرة.
الحكم
الشرعي للقرقيعان: اختلف فيه العلماء المعاصرون؛ فمنهم من
أباحه كعدد من فقهاء الخليج بناءً على قاعدة أن الأصل في العادات الإباحة ما لم
تخالف نصًّا، وأنه لا يُقصد به التعبد بل مجرد الفرح المجتمعي. ومنهم من منعه
كاللجنة الدائمة للإفتاء بالسعودية من باب سد الذرائع لئلا يضاهي الأعياد الشرعية
الفطر والأضحى فيتخذ طابعًا بدعيًّا. وبغض النظر عن هذا الخلاف، فإن أشد المانعين
للقرقيعان يمنعونه من باب البدعة الإضافية أو مضاهاة الأعياد، وليس من باب التشبه
بالكفار أو إحياء الوثنية كما هو الحال القطعي في الهالوين.
القواعد
الفقهية الحاكمة في الاحتفال بالهالوين والقرقيعان:
درء
المفاسد مقدم على جلب المصالح: مصلحة الترفيه عن الأطفال مصلحة ملغاة
تُقدم عليها مفسدة خدش عقيدتهم، وتطبيعهم مع رموز السحر والشعوذة والموت التي
يحملها الهالوين.
الرضا
بالشيء رضا بما يتولد منه: السماح بهذه المظاهر يولد في الأجيال
القادمة ذوبانًا في هوية الغرب وانسلاخًا من الهوية الإسلامية.
الإعانة
على المعصية معصية: وتُطبق على كل تاجر أو بائع أو منظم
يتربح من هذه المناسبة ويسهل إقامتها.
الحكم
يدور مع علته وجودًا وعدمًا: علة تحريم الهالوين هي التشبّه بأعياد
الكفار ذات الأصول الباطلة، وهذه العلة غير موجودة في العادات الشعبية المحضة
كالقرقيعان، فافترقا في الحكم. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة: