كيف تتعامل زوجة مع زوجها المُنكِر للسنة؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">السلام عليكم ورحمة الله. <o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">أنا امرأة عمري 24 سنة، متزوجة منذ أربعة أشهر. زوجي متعلم ومحترم ويصلي ويصوم، لكنه يقول إن السُّنة النبوية ليست مُلزِمة، وإنه يكتفي بالقرآن، ويسخر أحيانًا حين أنقل له حديثًا أو أذكر حكمًا تعلمته من أهلي. <o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">تحدثت معه بهدوء فقال إنني لا أفهم، وإن أحاديث كثيرة لا تصح. أنا بعيدة عن أهلي ولا أجد من أستشيره، وأخاف على ديني وعلى تربية أولادنا مستقبلًا. <o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">فهل يؤثر هذا الأمر في صحة إيمانه؟<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">وكيف أتعامل معه دون أن أفقد احترامه؟ <o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">وهل أستمر في الحوار أم أسكت؟&nbsp;</span></p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، ويثبِّت قلبك، ويجمع بينك وبين زوجك على الهدى والإيمان والسعادة والمودة والرحمة، وبعد...

 

هل يؤثر فهم زوجك في صحة إيمانه؟

 

لا ينبغي يا ابنتي أن نضع كل ما سمعتِه من زوجك في سلة واحدة، فكلامه يحتمل ثلاث صور تختلف أحكامها:

 

الصورة الأولى: أن يرد حديثًا معينًا لأنه لا يثبت عنده. وهذا ليس إنكارًا للسنة. فالأحاديث الضعيفة والموضوعة موجودة فعلًا، وقد وضع العلماء علم الحديث لتمييزها. وقد حذَّر النبي ﷺ من الكذب عليه، فقال: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار» [متفق عليه]. فإن كان زوجك يقصد أن بعض ما يتداوله الناس لا يصح، فهو محق في أصل الفكرة، وهذا جسر اتفاق بينكما يحسن أن تبدئي منه.

 

الصورة الثانية: أن يرى أن السنة الصحيحة الثابتة ليست حجة ولا يلزم اتباعها. وهنا الإشكال الحقيقي. فالقرآن نفسه يقرر وجوب اتباع النبي ﷺ: ﴿وَمَآ ءَاتَىٰكمُ ٱلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَىٰكمْ عَنْهُ فَٱنتَهُوا۟﴾ [الحشر: 7]، وقال سبحانه: ﴿مَّن يُطِعِ ٱلرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ ٱللَّهَ﴾ [النساء: 80]. وبيَّن أن وظيفة النبي ﷺ تشمل بيان القرآن: ﴿وَأَنزَلْنَآ إِلَيْك ٱلذِّكرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكرُونَ﴾ [النحل: 44]. وفي سورة النساء يقول: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

 

وقد أخبر النبي ﷺ بأن أقوامًا سيقولون: يكفينا القرآن، فقال: «ألا إني أوتيتُ الكتابَ ومثلَه معه، ألا يوشك رجلٌ شبعانُ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن» [رواه أبو داود]. وهذا من علامات النبوة؛ لأن النبي ﷺ تحدث عن مقالة ظهرت بعده بقرون.

 

وهناك حُجة عملية قريبة جدًّا من حياتكما؛ فزوجك يصلي ويصوم، والقرآن قال: ﴿وَأَقِيمُوا۟ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُوا۟ ٱلزَّكوٰةَ﴾ [البقرة: 43]؛ لكنه لم يذكر عدد الركعات ولا كيفية الركوع والسجود ولا أوقات الصلوات تفصيلًا. وقد قال النبي ﷺ: «صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي» [رواه البخاري]، وقال في الحج: «خُذوا عني مناسككم» [رواه مسلم]. فالصلاة التي يؤديها زوجك كل يوم هي في تفاصيلها سنة نقلها المسلمون جيلًا عن جيل. فمن صلى فقد عمل بالسنة من حيث لا يشعر، وهذا ما يجعل باب الحوار معه مفتوحًا.

 

الصورة الثالثة: السخرية. وينبغي هنا التمييز: هل يسخر من الحديث النبوي ومن النبي ﷺ نفسه؟ أم من طريقة نقل الحديث؟ أو من بعض الأحكام التي سمعتِها من أهلك وقد تكون من العادات أو الاجتهادات لا من النصوص؟ والفرق كبير، فإن كانت السخرية موجهة إلى السنة ذاتها فهي أمر عظيم، قال الله تعالى فيه: ﴿قُلْ أَبِٱللَّهِ وَءَايَـٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كنتُمْ تَسْتَهْزِءُونَ﴾ [التوبة: 65]. أما إن كانت موجهة إلى ما يُنقل بغير تثبُّت، فهي إساءة أدب.

 

وقد عدَّ كثير من أهل العلم إنكار حجية السنة جملةً خروجًا عن أصل من أصول الدين؛ لكنهم فرَّقوا بين الحكم على القول والحكم على الشخص، فتكفير الإنسان المعيَّن له شروط وموانع، منها الجهل والشبهة وعدم قيام الحجة. وقد حذَّر النبي ﷺ من التسرع فقال: «إذا كفَّر الرجل أخاه فقد باء بها أحدهما» [رواه مسلم].

 

وزوجك، بما وصفتِه من صلاته وصيامه واحترامه وعلمه، يغلب على الظن أنه صاحب شبهة سمعها أو قرأها ولم يكتمل نظره فيها، وليس معاندًا. فإياك أن تحكمي عليه بفكر أو عدم إيمان، ولا تجعلي بيتك ميدان حكم وتصنيف؛ فهذا مقام الدعوة والنصيحة.

 

فإن كانت هناك تفاصيل أخرى لم تذكريها، قد تؤثر في المسألة، فأنصحك أن تعرضيها على جهة إفتاء معتمدة في بلدك أو عالم ثقة؛ لأن الجواب الدقيق يحتاج إلى معرفة تفاصيل كلامه ومقصده.

 

كيف تتعاملين معه دون أن تفقدي احترامه؟

 

احترامه لك لا يُنال بالجدال والاعتراض؛ بل يُنال بحسن الخلق والثبات الهادئ. وهنا أنبهك إلى أمرين:

 

- الرفق أولًا: قال النبي ﷺ: «إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزع من شيءٍ إلا شانه» [رواه مسلم]. وقد أمر الله موسى وهارون -عليهما السلام- وهما يذهبان إلى أطغى طغاة الأرض، فقال: ﴿فَقُولَا لَهُۥ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُۥ يَتَذَكرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 44]. فإذا كان اللين مطلوبًا مع فرعون، فهو مع زوج يصلي ويصوم أولى وأجدر.

 

- الاحترام لا يعني السكوت عن الأذى: من حقك، بل من الواجب لكرامتك ودينك، أن تقولي له بهدوء إن سخريته تؤلمك. ولا تستخدمي كلمات قاسية، فيكفي أن تقولي مثلًا: «أنا أحترم أنك ترى رأيًا، لكن حين تسخر مما أعتز به أشعر بالألم، وأتمنى أن نتناقش دون استهزاء». وقد قال الله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].

 

هل تستمرين في الحوار أم تسكتين؟

 

وجوابي على هذا السؤل هو: لا هذا ولا ذاك على إطلاقه. فالسكوت التام قد يُفهم رضًا أو ضعفًا، ويترك الشبهة تكبر في قلبه. والإلحاح في كل مناسبة يتحول إلى عناد، ويجعل الأمر معركة بينكما.

 

والحل هو حوار بقدر وفي وقته، بعد وقت صفاء بينكما لا في لحظة غضب ولا في وسط خلاف آخر. وابدئي بالسؤال لا بالحكم: «ما الذي جعلك ترى هذا؟ هل قرأتَ كتابًا أو سمعتَ محاضرة؟». فالسؤال الصادق يفتح القلب، والحكم يغلقه. واكتفي بنقطة واحدة في كل جلسة، ولا تفتحي كل أبواب الخلاف دفعة واحدة. فإذا شعرت أن النقاش سيحتد فتوقفي فورًا، فالنهاية الهادئة تُبقي الباب مفتوحًا لجلسة قادمة.

 

خوفك على دينك وعلى أولادكما

 

هذا الخوف منك مقدَّر لك ومطلوب منك، فقد قال الله تعالى: ﴿يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ قُوٓا۟ أَنفُسَكمْ وَأَهْلِيكمْ نَارًا﴾ [التحريم: 6]؛ لكن هذا الخوف ينبغي أن يتحول إلى عمل هادئ، لا إلى قلق دائم.

 

أما دينك، فاعلمي أن ثباتك عليه لا يتوقف على موافقة زوجك. قال النبي ﷺ: «لا طاعة في معصية، إنما الطاعة في المعروف» [متفق عليه]. فاستمري في صلاتك وأذكارك وعلمك، دون تحدٍّ.

 

وأما الأولاد، فالزمن أمامكما طويل، وكثير مما يخيفك الآن قد يتغير قبل مجيئهم. وكما قال النبي ﷺ: «كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها» [متفق عليه]. فمهمتك أن تكوني القدوة الدافئة: بيت فيه حب القرآن، وقصص النبي ﷺ تُروى بحب، وأخلاق تُرى قبل أن تُقال. وهذا يحتاج إلى حكمة أكثر مما يحتاج إلى جدال، ولا تُدخلي الأطفال مستقبلًا في خلاف بينكما.

 

وأقترح عليك بعض الأمور العملية للتنفيذ من اليوم:

 

1- ابدئي بنفسك: حافظي على صلاتك وعلى وردك اليومي من القرآن والأذكار، واجعلي بيتك هادئًا مطمئنًا. فهذه أبلغ دعوة لزوجك قبل أي حوار.

 

2- لا تنقلي إليه حديثًا دون تثبُّت: إن أردت مناقشة موضوع ما مع زوجك، فاعتمدي على مصدر موثوق وتحققي من الحديث قبل أن تذكريه، فهذا يسد عليه باب الاعتراض ويكسب ثقته. وفي موسوعات التخريج الموثوقة، مثل موسوعة «الدرر السنية» على الإنترنت ما يعينك على معرفة درجة الحديث.

 

3- ابدئي من المتفق عليه: اتفقا على أن الكذب على النبي ﷺ جريمة، وأن التثبت من الأحاديث واجب، ثم انتقلا بالتدريج إلى أن منهج علماء الحديث في ذلك علمي دقيق.

 

4- اسألي ولا تحاكمي: قولي له: «أنا أحبك وأريد أن أفهم رأيك. هل يمكن أن نقرأ معًا في الموضوع؟». ويمكنكما قراءة كتاب «السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي» للشيخ مصطفى السباعي، أو الاستماع معًا إلى محاضرة في مكانة السنة من عالم موثوق.

 

5- اجعلي لك مرجعًا وصحبة: تواصلي مع إحدى العالمات أو الداعيات الموثوقات، لتستشيريها في شؤون دينك، ولو عن بُعد. وابحثي عن صحبة صالحة من نساء قريبات مؤمنات صالحات، فقد قال الله تعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

 

6- ضعي حدًّا للسخرية بهدوء: بأمثال العبارة التي ذكرتها لك أعلاه. وإن تكررت السخرية فأخبريه أن ذلك يؤذيك، ثم أمسكي عن الجدال في تلك اللحظة حتى لا يتحول إلى خصام.

 

7- أحسني عشرة زوجك: قال النبي ﷺ: «خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي» [رواه الترمذي]. فإذا رأى منك حسن العشرة والكلمة الطيبة، هان على قلبه أن يسمع منك.

 

8- الاستعانة بعالم حكيم: إن طال الأمر وأصبح الحوار بينكما مستحيلًا، أو ازدادت الإساءة والاستهزاء، فاستعيني بعالم حكيم يثق به كلاكما، أو بمصلح أسري مختص، وهذا من الأخذ بالأسباب المشروعة.

 

9- الدعاء له ولنفسك: القلوب بيد الله، والدعاء يغير القدر، فأكثري من الدعاء لزوجك بالهداية وانشراح الصدر، ولنفسك بالثبات والعون.

 

وختامًا يا ابنتي، فإن الله –سبحانه- قد رزقك زوجًا صالحًا في ظاهره، يصلي ويصوم ويحترمك، وعنده شبهة يمكن أن تُعالج بالحكمة والصبر والدعاء. فلا تيأسي، ولا تجعلي الجدال بابًا للخصومة، واجعلي نيتك خدمة دينك وصلاح بيتك. وتذكري أن الله هو الهادي، وأنت مأمورة بالسعي والنصح لا بالنتيجة. وثقي بأن الله لن يضيع أجر من أحسن عملًا.

 

اللهم اشرح صدر ابنتنا، وثبِّت قلبها على دينك، وارزقها الحكمة واللين وحسن القول. اللهم اهدِ زوجها لما اختلف فيه من الحق بإذنك، وأرِه الحق حقًّا وارزقه اتباعه، وألِّف بين قلبيهما على طاعتك. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

القرآنيون.. حقيقتهم وخطورتهم على القرآن والسنة

لماذا تثار الشبهات حول السنة النبوية؟