كيف تتغلب خريجة الجامعة على مشاعر الغيرة والإحباط؟

<p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">السلام عليكم، قد تخرجت من أرقى الجامعات ببلدي، وكانت لدي توقعات كبيرة بحكم مسار المتخرجين من قبلي ونجاحاتهم، ثم إنني بعد تخرجي بمدة لا زلت لم أُوَفّق في عمل أو بحث أو حتى زواج.<o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">أجدني في مقارنات عديدة، إحساس بالفشل ورغبة في العودة إلى الوراء واختيار درب آخر. إحساس بأن الوقت قد فات، أن الناس قد وجدوا ما يفلحون فيه من ثغور هذا التخصص الكبير والتسارع الكبير في التكنولوجيا لكن ما زلت أجدني لا أعلم ماذا أفعل وماذا أريد وعلى ما أركز، مما يجعلني غير متخصصة في شيء معين، وبالتالي تقل فرص نجاحي في هذا العالم العملي</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">كيف يمكنني التخلص من مشاعر الغيرة من أقراني ممن وجدوا ثغورهم وعملهم في وقت مبكّر، ممن عُرِفوا في مجالهم؟ من صديقاتي اللاتي تزوجن و أنجبن؟ ومن شبهات عدّة ممن تصلني أخبارهم وأخبارهن يوميا من الأصدقاء وعلى المنصات؟ ثم إنني كل يوم أُصبِح على رسالة رفض من جهة معينة. <o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">كيف يمكنني التخلص من أفكار وشبهات تراودني، كأن الفتيات اللاتي كن يخالطن الفتية في الجامعة هنّ من نجحن عمليا لعلاقاتهن وتزوجن، وأنني من كنت أحاول الاختفاء وتجنب الاختلاط لم أُوفّق لا عمليا ولا حياتيا؟</span><span lang="AR-EG" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;"><o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="margin-top: 0cm; text-align: justify; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>&nbsp;</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">أحيانا تراودني أفكار أنني ظلمت نفسي بهذا، وأن هذا أصبح من طبيعة الأمر خصوصا في بلدي، وأن يكفي احترام الحدود لا إخماد وجودك بحجة الاختلاط، ولا دخل للالتزام بالأمر، فحتى من أتحدث عنهم ملتزمون. <o:p></o:p></span></p><p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;">تراودني أفكار عديدة، أدري أنها على خطأ لكن أحتاج من يصوِّبها لي شيء من كلام عَملي يطمئنني أن الوقت لم يمضِ، وأنه لكلٍّ طريقه الخاص، وأن هذا ما كنت قادرة على فعله فكفى لوما لنفسك، وأن الله قادر على أن يُغيّر كل شيء بين ليلة وضحاها وأن الله سيحدث بعد ذلك أمرا</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span style="font-size: 18pt; font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;, serif;"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span></p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك، ويفرِّج همك، ويجبر خاطرك، وأن يرزقك عملًا طيبًا وزوجًا صالحًا وطمأنينة تسكن قلبك، وبعد...

 

بين الوجع وحسن الظن

 

قرأت رسالتك فوجدت فيها أمرين: وجعًا صادقًا من المقارناتٍ مع الغير، وقلبًا ما زال يُحسن الظن بربه. فقد ختمت كلامك بأن الله قادر على أن يغيِّر كل شيء بين ليلة وضحاها، وأنه سيُحدث بعد ذلك أمرًا. وهذا معنى قرآني عظيم: ﴿لَا تَدْرِى لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَٰلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: 1]. وفي الحديث القدسي: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي» [متفق عليه]. فحسن ظنك الذي تحدثتِ عنه في آخر رسالتك هو أول مفاتيح الفرج.

 

واقع عام لا حالة شخصية

 

أعرف أن ما تمرِّين به مؤلم، ولكن اعلمي يا ابنتي أن ما أنت فيه يمر به كثير من الخريجين والخريجات، حتى المتفوقون منهم، وذلك لارتفاع سقف توقعاتهم عن الواقع العملي، فيتحول كل تأخير في الوصول إلى شعور بالإحباط والتقصير. إن سوق العمل في مجالات كثيرة يمر بتسارع وتقلُّب لا يد لك فيهما، فبعض ما تواجهينه هو ظرف عام، وليس حكمًا على كفاءتك ولا على قيمتك الشخصية.

 

وقد قال النبي ﷺ: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ» [رواه مسلم]. فهذه المرحلة التي تحسبينها خسارة خالصة قد تكون، بصبرك وحسن ظنك، رصيدًا لك في ميزان حسناتك.

 

بين ساعة المجتمع وساعة القدر

 

ابنتي الغالية، إن المجتمع من حولنا يضع ساعة تقديرية يقيس بها: يتخرج الإنسان في سن كذا، ويعمل في سن كذا، ويتزوج في سن كذا...إلخ؛ ولكن لقدر الله عز وجل ساعة أخرى لا يعلمها إلا هو سبحانه، وبها تجري الأمور في الحقيقة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: 3]؛ أي أن لكل أمر مقدارًا ووقتًا قدَّره الله.

 

وقد قال الله عز وجل لموسى عليه السلام بعد سنين أمضاها في مدين: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَا مُوسَى﴾ [طه: 40]؛ أي في الموعد الذي قدَّره الله لك. ولم تبدأ رسالة نبينا محمد ﷺ إلا بعد بلوغه الأربعين، ثم غيَّر الله بها وجه الأرض.

 

لا أقول إن كل متأخر سيكون نبيًّا؛ لكن الأوان في ميزان الله غير الأوان في ميزان الناس. وأنت في بدايات حياتك العملية، وأمامك سنوات طويلة من العطاء بإذن الله.

 

ثم إن الطرق ليست متشابهة حتى يصح السباق عليها، فقد قال تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة: 148]، فلكل إنسان أيضًا وجهته الخاصة، والمطلوب ألا تشغلنا وجهات الناس عن السبق إلى الخير في وجهتنا. فمن سبقتك في الزواج تمشي في طريقها، ومن سبقك في الوظيفة يمشي في طريقه، وأنت لك طريق لم يكتمل رسمه بعد، ولا يعني أنه لم يظهر أنه غير موجود.

 

الحيرة وفكرة العودة إلى الوراء

 

تقولين إنك لا تعلمين ماذا تريدين ولا على ماذا تركزين، وإن هذا قد يجعلك بلا تخصص فتقل فرصك. وألفت نظرك إلى أمرين:

 

الأول أن هذا الغموض شائع في هذه المرحلة وليس عيبًا فيك؛ فأكثر الناس لا يكتشفون ما يناسبهم بالتأمل وحده، وإنما بالتجربة والاحتكاك.

 

والثاني أن التخصص لا يتكون في لحظة، بل يُبنى طبقة فوق طبقة؛ ومن جرَّبت ثلاثة اتجاهات وتعلَّمت من كل واحد منها عندها خبرة أوسع ممن لم تجرِّب شيئًا.

 

وأما ظنك أن ثغور المجال قد سدَّها السابقون، فالتقنية تفتح مع كل موجة أبوابًا جديدة تحتاج إلى من يدخلها ويتعلم أدواتها بسرعة، وهذه ميزة ينالها المجتهد في أي سن.

 

وأما رغبتك في العودة إلى الوراء واختيار درب آخر، فليست خطأ في ذاتها؛ لكن الخطأ أن يُتَّخذ القرار في لحظات الوهن وفي ظل المقارنات.

 

إن القرار الصحيح توصلنا إليه أربع خطوات: اجتهاد في جمع المعلومات، واستشارة لأهل الخبرة والعقل، واستخارة لله، والتوكل عليه سبحانه وتعالى.

 

وتذكري أن تغيير المسار ليس عودة إلى الصفر؛ فما اكتسبته من تفكير منظم وحل للمشكلات وانضباط وتحمل للضغط ينتقل معك إلى أي طريق تسلكينه.

 

الغيرة والمقارنة وأخبار الصديقات والمنصات

 

سألت: كيف أتخلص من الغيرة؟ والحقيقة يا ابنتي أن الغيرة شعور، والشعور لا يُمحى بقرار؛ لكنه يُضبط ويُوجَّه حتى لا ينقلب حسدًا أو يأسًا.

 

ولنفرِّق بين ثلاثة أحوال:

 

الأول خاطر يمر بقلبك حين ترين توفيق غيرك، وهذا لا إثم فيه ما دمت تكرهينه ولا تعملين به ولا تتكلمين، فالله تجاوز عن حديث النفس ما لم ينبني عليه عمل أو كلام.

 

والثاني تمنِّي مثل ما عند غيرك دون أن تتمني زواله عنه، وهذا هو الغبطة، وهي محمودة ما دامت في أمور الخير والصلاح.

 

والثالث تمنِّي زوال النعمة عن صاحبها، وهذا هو الحسد المذموم الذي يجب أن نجاهده.

 

وما تصفينه في رسالتك هو أقرب إلى الحالين الأولين: ألمٌ وتطلُّع، وليس حقدًا ولا رغبة في أذى أحد، وسؤالك عن علاجه دليل على حياة قلبك ونقاء فطرتك.

 

ومن أعظم ما يعالج المقارنة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [النساء: 32].

 

فسعيك محفوظ ومعتبر، والطموح يوجَّه ولا يُقتَل. فبدلًا من أن يمتلئ قلبك بالسؤال: «لماذا هي؟» املئيه بقولك: «يا رب، ارزقني من فضلك».

 

وانظري كذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: 131]. وتذكري أن ما يصلك من أخبار الناس هو أجمل ما اختاروا عرضه، لا حياتهم كلها؛ فأنت تقارنين كواليس حياتك بواجهات حياة غيرك.

 

ثم إن النبي ﷺ دلنا على ما يحول الغيرة إلى عبادة، وهو الدعاء للغير بظهر الغيب، فقال: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ، كُلَّمَا دَعَا لِأَخِيهِ بِخَيْرٍ قَالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَّلُ بِهِ: آمِينَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ» [رواه مسلم]. فإذا بلغك خبر زواج صديقتك أو مولودها فقولي من قلبك: اللهم بارك لها وأتم عليها نعمتك؛ فيقول الملك: ولك بمثل. فما ظننتِه حاجزًا بينك وبين الخير يصير طريقًا إليه.

 

وأما الزواج والإنجاب فرزقان مقدَّران لا يُقاسان بإنجازات الدراسة والعمل، ولا يكشفان عن قيمة المرأة عند ربها؛ فقد تتزوج امرأة مبكرًا وتُبتلى بما لا تُظهره الصور، وتتأخر أخرى ويُدَّخر لها من الخير ما لا يخطر لها على بال.

 

رسائل الرفض التي تصلك

 

أعرف أن هذه الرسائل تُثقل القلب وتحبط النفس؛ لكن انظري إلى الوجه الآخر: أنت تتقدمين وتحاولين وتطرقين الأبواب، وهذا بحد ذاته عمل يُحمَد وليس فشلًا. والرفض في كثير من الأحيان قرار في ظرف معين، لوظيفة بعينها، ووقت بعينه، مع منافسين كثر، وليس حكمًا عليك. وقد علمنا القرآن: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216]. فالباب الذي يُغلق دونك قد يكون حماية لك من شيء لا تعلمينه، أو تأخيرًا لما هو أنفع.

 

وسواس أن اللاتي خالطن هنَّ مَن نجحن!

 

لقد أصبتِ يا ابنتي حين عرفت أن هذه الخواطر خطأ وطلبت من يصوِّبها، فكراهتك لما يمر بقلبك منها علامة حياة إيمانك، وهيا بنا نفكك الفكرة لتستبين الحقيقة:

 

- هل ما تلاحظينه صحيح أصلًا؟ تخيلي مائة طالبة دخلن الجامعة نفسها: بعضهن اختلطن بلا ضابط، وبعضهن بضوابط، وبعضهن اعتزلن، ثم مرت السنوات، فلا شك أنك ستجدين منهن الموفقة وغير الموفقة في كل صنف من الثلاثة، لكن الذي يصل خبره إلينا هو الموفقة، أما المتعثرة فتصمت. وهذا خطأ في التفكير: أن نحكم بمن ظهر وننسى من لم يظهر. ثم إن الزواج والوظيفة تصنعهما أسباب كثيرة متداخلة، من أسرة وبيئة وتوقيت وفرص وتوفيق من الله، فلا يصح أن ننسبها إلى سبب واحد. نعم، العلاقات المهنية قد تفتح أبوابًا ولا أنكر ذلك، لكنها قناة واحدة من قنوات كثيرة، وللمرأة المحافِظة أن تبني شبكتها بوسائل منضبطة، سأذكرها لك لاحقًا.

 

- هل نجاح الدنيا ميزان الصواب؟ قال الله تعالى: ﴿كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: 20]؛ فعطاء الدنيا يناله الصالح وغير الصالح، فلا يكون نجاح أحد دليلًا على صواب مسلكه، ولا تأخر أحد دليلًا على خطئه. وقد ورد عن النبي ﷺ أن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا من أحب، وأن من ترك شيئًا اتقاءً لله عوّضه الله خيرًا منه، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق: 2 و3]. وليس في هذا وعد بموعد، فالموعد عند الله وحده، لكنه وعد بأن الله لا يضيِّع من اتقاه. وأخبر النبي ﷺ ابن عباس -رضي الله عنهما- أن الأمة لو اجتمعت على أن تنفعه بشيء لم تنفعه إلا بشيء قد كتبه الله له؛ فما كتبه الله لك لن يسبقك إليه أحد، ولن تأخذه منك علاقات.

 

- بين إخماد الوجود وذوبان الحدود: أصبتِ حين رأيتِ أن الإسلام لا يطلب من المرأة أن تُلغي وجودها. وللقرآن نموذج لطيف في قصة موسى عليه السلام عند ماء مدين: ﴿وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ﴾ [القصص: 23]. خرجتا لحاجة، وكلَّمتا رجلًا غريبًا بقدر ما تقتضيه الحاجة، وحفظتا نفسيهما بالتحفُّظ. ثم جاءت إحداهما ﴿تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ﴾ [القصص: 25]، وقالت لأبيها عن موسى: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]، فحكمت عليه بالكفاءة والأمانة. ثم جاءت الخطوة الجادة عبر الأب: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ﴾ [القصص: 27]. حضور بقدر الحاجة، وحياء في المشي والكلام، ثم طريق شريف إلى الزواج.

 

ومرجع الحدود هو ما بيَّنه الشرع، لا ما جرى به عرف بلد أو زمان؛ فإذا صار المعيار ما يفعله الناس ذابت الحدود شيئًا فشيئًا. وقد تباينت أنظار المعاصرين في تفصيل الدراسة والعمل في بيئة مختلطة بين مشدد وميسِّر، وهم متفقون على أصول لا تُترك: غض البصر، وترك الخلوة، والحشمة، وأدب الكلام. والذي يهمك هنا أن ما أخذتِ به من حفظ نفسك لم يكن تضييعًا لحقك، وأن الباب مفتوح لحضور منضبط في ميادين العلم والعمل.

 

- ماذا عن أن من تتحدثين عنهن ملتزمات؟! لا نحكم نحن ولا أنت على حقيقة التزام أحد؛ فنرى الظاهر ولا نعلم ما يحيط بكل واحدة من ظروف وضوابط. وقد علمنا القرآن ألا نبني أحكامنا على ما لا نعلم: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36]. وحتى لو سلَّمنا بأن بعضهن وُفِّقن مع شيء من التساهل، فنجاح الدنيا لا يشهد لصواب الفعل كما قلت سابقًا. فخذي من أخلاقهن واجتهادهن ما ينفعك، ولا تحاكمي نفسك بنتائجهن.

 

كفى لومًا لنفسك وجلدًا لذاتك

 

قلتِ إن هذا ما كنت قادرة على فعله، فكفى لومًا لنفسك، وقد قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]؛ فما فعلتِه إنما فعلتِه حسب علمك يومئذ وقدرتك ونيتك الطيبة، وهذا ما يثيب الله عليه. وتأملي توجيه النبي ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ: لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» [رواه مسلم]. فخاطر: «لو اختلطت لتزوجت»، وخاطر: «لو اخترت تخصصًا آخر لنجحت»، هما مما نهى عنه الحديث؛ لأنه يُدخل الحسرة على ما مضى ولا يغيِّر منه شيئًا. وليس معنى هذا ألا نتعلم من التجارب، بل أن نتعلم دون أن ندين أنفسنا.

 

وعبارة «ظلمت نفسي» تستحق وقفة: فظلم النفس في الشرع معناه المعصية، وما فعلته من حفظ نفسك ليس معصية، حتى لو رأيت اليوم أن في طريقة التطبيق مجالًا للمراجعة؛ فتلك مراجعة اجتهاد لا ندم على ذنب. والظلم الحقيقي لنفسك أن تجلديها كل يوم بما لا ذنب لها فيه، وأن تسيئي الظن بها وبربها.

 

وفي قصة يوسف عبرة

 

تأملي في قصة يوسف عليه السلام: أُلقي في الجب صغيرًا، ثم بيع، ثم سُجن ﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: 42]، وكان يمكن لأي إنسان أن يقول إن حياته قد انتهت. ثم رأى الملك رؤيا، فإذا بالسجين المنسي يخرج إلى الدنيا ويصير على خزائن الأرض. وقال بعد ذلك: ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [يوسف: 100]؛ فمن لطف الله أن يدبِّر لك ما تجهلينه بأسباب لا تخطر على بالك.

 

اقتراحات عملية للنهوض

 

1- أفرغي ما في صدرك بين يدي الله: الليلة، صلِّي ركعتين، واكتبي في ورقة كل ما يؤلمك بصراحة، ثم ادعي بدعاء موسى عليه السلام: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: 24]. فإخراج الهمّ من الرأس إلى الورق وإلى الدعاء يخفف ثقله.

 

2- قاطعي مصادر المقارنة: الغي متابعة الحسابات التي تؤلمك وتثير فيك المشاعر السلبية، واستبدلي بها حسابات علمية وثقافية مفيدة.

 

3- ضعي خطة واقعية لنفسك: حددي على الورق في ثلاثة أعمدة: ما تحبينه، وما تجيدينه، وما يحتاجه سوق العمل. ثم اختاري اتجاهًا واحدًا تجربينه، وتتعمقين فيه من خلال القراءات والاطلاع والدورات والاستشارات، مع الاستخارة والتوكل. وقيسي سعيك بالجهد الذي تبذلينه، لا بالنتيجة.

 

4- استأنفي تقديم طلبات العمل: مع مراجعة الطلبات السابقة مع أحد الخبراء ممن تثقين بهم، ليرشدك على أوجه القصور والنقص التي يمكن أن تكون فيها، لتعديلها في الطلبات الجديدة. وافحصي الردود السابقة بالرفض وتأملي فيها لتتعرفي إلى جوانب النقص لاستكمالها.

 

5- ابني شبكة مهنية بضوابطك. انضمي إلى مجتمعات نسائية في مجالك، واكتبي لثلاث خريجات أو خريجين سبقوك رسالة مهنية قصيرة تسألين فيها عن مسارهم ونصيحتهم. ومع الخريجين اجعلي المراسلة رسمية والفعاليات جماعية، وتجنبي الخلوة وإطالة الحديث الفردي بلا حاجة.

 

6- خذي بأسباب الزواج: أخبري أمك أو قريبة موثوقة أو صديقة برغبتك في الزواج، وخذي بأسبابه، وقولي مثلًا: «إن علمتِ بصاحب دين وخلق فدلِّيه عليَّ»، ولا حرج في ذلك مطلقًا، فقد كان الصالحون يعرضون بناتهم على أهل الخير، ولا حياء في طلب الخير بالطريق الشريف؛ لكن لا تؤجِّلي شيئًا من حياتك إلى أن يأتي.

 

7- حافظي على القليل الدائم: ورد يسير من القرآن، وركعتان في جوف الليل، ومشي قصير، ونوم منتظم، فإن النبي ﷺ قال: «أَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ» [متفق عليه].

 

8- اطلبي العون عند الحاجة: إن طال الحزن وأثَّر في نومك أو شهيتك أو قدرتك على العمل فاستشيري مختصة نفسية؛ فقد أمر النبي ﷺ بالتداوي وبيَّن أن لكل داء دواء، والاستعانة بالمختص من الأخذ بالأسباب ولا تنافي التوكل.

 

وختامًا يا ابنتي، إن ما تحتاجينه الآن ليس أن تعودي إلى الوراء، بل أن تخففي عن نفسك أحمالًا لم يكلفك الله بها: حمل المقارنة، وحمل اللوم، وحمل الظن بأن الوقت قد فات. أحسني الظن بربك، وارحمي نفسك، وضعي قدمك على أول خطوة مما ذكرت، ثم دعي الباقي لمن بيده مفاتيح الأمور. وأذكرك بأن ربنا حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردّهما صفرًا، وأختم بآية وعد الله بها نبيه ﷺ في لحظات ثقيلة: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: 5].

 

أسأل الله أن يشرح صدرك، ويفرِّج همك، ويجبر كسرك، وينزع من قلبك الغيرة والمقارنة، ويملأه رضا وطمأنينة، وأن يفتح لك باب عمل كريم، ويرزقك علمًا نافعًا وسعيًا مباركًا. وزوجًا صالحًا، وذرية طيبة، وبيتًا فيه سكن ومودة ورحمة. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

الغيرة من الأخت الصغرى «الملتزمة».. مرض أم عدم توفيق؟

كيف أتخلص من الغيرة والحسد تجاه نجاحات الآخرين؟

على بوابة الإحباط أعيش بلا هدف