<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هناك عادة منتشرة في أماكن كثيرة من العالم الإسلامي، وعلى رأسها ماليزيا وإندونيسيا، بالاجتماع على قراءة يس على أرواح الأموات، وبنية تفريج الهموم والكروب والمصائب العامة كعدم نزول المطر، أو السيول الشديدة، أو الرياح المدمرة وأيضا مع اقتراب اختبارات الطلاب في نهاية المرحلة الثانوية المؤهلة لدخول الجامعات.</p><p>وأيضا من العادات المتبعة فتج أغطية زجاجات المياه المعدنية أثناء القراءة، ثم توزيع الماء على الطلاب للشرب منه تبركا بالماء الذي شهد قراءة القرآن.</p><p>والسؤال ما مدى شرعية هذه العبادة وهل لها من النصوص ما يؤيدها أو يمنع منها؟ ولكم جزيل الشكر.</p>
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، فإن
العادات التي استقرت في بعض المجتمعات الإسلامية كماليزيا وإندونيسيا، من الاجتماع
على قراءة القرآن، وتحديدًا سورة "يس"، وتوظيف ذلك في النوازل أو عند
اقتراب الامتحانات، مع القراءة على الماء لشربه، هي من المسائل التي تناولتها أصول
الشريعة في بابي "العبادات التوقيفية" و"التوسل المشروع بالعمل
الصالح".
وحيث
إن هذه المجتمعات تدين غالبًا بالمذهب الشافعي، فإن تأصيل هذه المسألة يتطلب النظر
الدقيق في نصوص الوحيين، وأقوال أئمة الفقه، مع التمييز بين ما هو مشروع بأصله وما
قد يعتريه الابتداع بوصفه وتخصيصه، مع الإشارة إلى العلامات العلمية في العصر
الحديث في مسألة تأثر الماء بالقرآن.
اختصارًا:
قراءة
"يس" على أرواح الأموات جائزة ونافعة للميت عند جمهور متأخري الفقهاء
ومنهم الشافعية، وثواب القراءة يصل إليه إن شاء الله.
والاجتماع
لقراءة "يس" لتفريج الكروب والنجاح في الاختبارات بنية التوسل بالعمل
الصالح مشروع وجائز، وسورة "يس" لها فضل عظيم. لكن التزامها بهيئة
جماعية صارمة واعتقاد أنها "سُنة راتبة" بهذا الشكل المعين يدخلها في
دائرة "البدعة الإضافية". والأولى فعلها دون إلزام أو اعتقاد بسنيّة
الهيئة، وأيضا من باب العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال.
أما
القراءة على الماء والشرب منه فهو عمل مشروع، وهو من جنس "الرقية
الشرعية" الثابتة عن النبي ﷺ والسلف الصالح، وفيه نفع وبركة شرعًا، وله شواهد
علمية حديثة تدعمه.
وتفصيلاً:
أولاً:
قراءة سورة "يس" على أرواح الأموات
اختلف
العلماء في وصول ثواب القراءة للميت، والراجح الذي عليه العمل في كثير من بلاد
المسلمين جواز ذلك، للنصوص الشرعية الواردة في هذا الباب ومنها ما رواه أبو داود
وابن ماجه وصححه ابن حبان من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال:
«اقرءوا على موتاكم يس». ورغم أن كثيرًا من المحققين يحملون الحديث على
"المحتضر" الذي حل به الموت، إلا أن جمعًا من العلماء أجازوها على الميت
بعد موته.
قال
الإمام ابن قدامة "وأي قربة فعلها وجعل ثوابها للميت المسلم نفعه ذلك إن شاء
الله... ولا بأس بقراءة القرآن عند القبر". وقال الإمام النووي "يُستحب
أن يقرأ عنده شيء من القرآن، وإن ختموا القرآن كله كان حسنًا".
ثانيًا:
الاجتماع لقراءة "يس" لتفريج الهموم والكروب وطلب النجاح
التوسل
إلى الله بقراءة القرآن من أعظم أنواع "التوسل المشروع بالعمل الصالح"،
لحديث الثلاثة الذين انطبق عليهم الغار المروي في الصحيحين، فدعوا الله بصالح
أعمالهم ففرج عنهم. والقرآن كله شفاء وبركة، وقد ورد في فضل سورة يس حديث: «يس لما
قُرئت له»، وإن كان حديثًا ضعيف الإسناد عند المحدثين، إلا أن العلماء يتسامحون في
العمل به في فضائل الأعمال.
قال
الإمام الشاطبي في الاعتصام في تعريفه للبدعة الإضافية: "هي التي لها
شائبتان: إحداهما لها متعلق بدليل شرعي، والأخرى ليس لها متعلق إلا شبهة".
فبناءً عليه: الاجتماع لقراءة القرآن ودعاء الله بكشف الضر كالسيول أو الجفاف أو
التوفيق في الاختبارات جائز بشرط ألا يُعتقد أن تخصيص سورة "يس" في هذا
الوقت بعينه جماعيًّا هو سُنة عن النبي ﷺ لمخالفة ذلك للتوقيف، بل يفعلونه من باب
عموم الذكر والدعاء.
ثالثًا:
القراءة على الماء بفتح زجاجات المياه والشرب منها للتبرك
القراءة
على الماء وشربه أو الاغتسال به ثابت عن النبي ﷺ والسلف. فقد روى أبو داود في سننه
أن النبي ﷺ قرأ في ماء لثابت بن قيس بن شماس، ثم صبه عليه، وقال الإمام ابن القيم
في زاد المعاد متحدثًا عن تجربته: "ولقد مر بي وقت بمكة سقمت فيه، ولا أجد
طبيبًا ولا دواء، فكنت أعالج نفسي بالفاتحة، فأرى لها تأثيرًا عجيبًا... فكنت آخذ
قدحًا من ماء زمزم، فأقرأ عليه الفاتحة مرارًا، ثم أشربه، فوجدت به البرء
التام". وقال الإمام أحمد بن حنبل بجواز كتابة القرآن وغسله بالماء وشربه
للمريض. فالقراءة على زجاجات المياه للطلاب بغرض حصول البركة والتوفيق وفتح الذهن
جائزة شرعًا ومندرجة تحت الرقية المشروعة.
الإشارات
العلمية في العصر الحديث في تأثر الماء بقراءة القرآن:
أثبتت
بعض الدراسات المجهرية الحديثة كأبحاث العالم الياباني ماسارو إيموتو وأكدتها
دراسات في جامعة الملك فهد أن جزيئات الماء تتأثر بالذبذبات الصوتية والكلمات
الموجهة إليها، وعندما تم تعريض الماء لآيات من القرآن الكريم، تشكلت بلورات الماء
في أشكال هندسية شديدة الانتظام والجمال، ورغم أن المسلم يبني عقيدته على التسليم
للنص الشرعي وليس على التجارب المعملية، فإن هذه الإشارات العلمية تدعم ما استقر
في الفقه الإسلامي من أن قراءة القرآن على الماء تُحدث فيه تغيرًا فيزيائيًّا قابلاً
للرصد العلمي وبالطبع فهو يحمل البركة والشفاء والسكينة لشاربه.
القواعد
الفقهية الحاكمة في الاجتماع لقراءة "يس" على الماء ثم شربه:
الأصل
في الأشياء الإباحة، والأصل في العبادات التوقيف: فقراءة القرآن
والدعاء والشرب من الماء المندوب أمور مباحة ومستحبة في أصلها، لكن تحديدها بهيئات
لم ترد في السنة يوجب الحذر من الوقوع في البدعة الإضافية.
لا
يُنكَر المُختلَف فيه، وإنما يُنكَر المُجمَع عليه: وحيث إن وصول
ثواب القراءة للميت، والاجتماع للذكر قد اختلف فيه الفقهاء وخاصة الشافعية
السائدين في تلك البلاد، فلا ينبغي التشديد والتبديع والإنكار الغليظ الذي يدعو
لنفرة البعض من الناصح والنصيحة.
الوسائل
لها أحكام المقاصد: فإذا كان مقصد الطلاب وأهاليهم من قراءة
يس والشرب من الماء هو اللجوء إلى الله وطلب التوفيق منه، فالمقصد حسن، والوسيلة
قراءة القرآن مشروعة، مما يجعل العمل مقبولاً في الجملة.
العادة
مُحكّمة: إذا لم تخالف نصًّا شرعيًّا. واتخاذ هذا الاجتماع من باب "العادة"
للتشجيع والدعم النفسي للطلاب، دون إضفاء طابع الوجوب الشرعي عليها، يجعلها من
العادات الحسنة والمباحة. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: