كيف يصلي ويصوم رواد الفضاء مع اختلال المواقيت؟

رائد فضاء مسلم متواجد في محطة الفضاء الدولية التي تدور حول الأرض ويشهد فيها 16 شروقاً وغروباً للشمس في غضون 24 ساعة. كيف يحدد مواقيت الصلوات الخمس واتجاه القبلة وهو في حالة انعدام جاذبية مستمرة وحركة دائبة؟ وعلى أي توقيت يصوم إذا تزامن صعوده مع شهر رمضان؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، الشريعة الإسلامية شريعة عالمية صالحة لكل زمان ومكان، ومبنية على رفع الحرج والتيسير. ولما كان ارتياد الفضاء من النوازل المعاصرة التي تتغير فيها العلامات الكونية المرتبطة بالعبادات كشروق الشمس وغروبها، فقد اجتهد علماء العصر والمجامع الفقهية مثل مجمع الفقه الإسلامي، ومؤتمر علماء المسلمين بماليزيا عام 2007م قبيل صعود رائد الفضاء الماليزي لتكييف هذه العبادات بما يتوافق مع مقاصد الشريعة والنصوص العامة التي تعالج اختلال العلامات الفلكية المعتادة.

 

اختصارًا:

 

أولاً مواقيت الصلاة: لا يعتمد رائد الفضاء على الشروق والغروب المتكرر، بل يقدر أوقات الصلوات الخمس في دورة مدتها 24 ساعة، ويكون التوقيت المرجعي هو توقيت المنطقة التي انطلق منها إلى الفضاء كمحطة، أو توقيت مكة المكرمة، وطبعًا معرفته بالتوقيت على الأرض متاح ميسور على المحطة الفضائية.

 

ثانيًا اتجاه القبلة: يتجه الرائد قدر استطاعته نحو الكعبة أو كوكب الأرض، فإن شق عليه ذلك بسبب انعدام الجاذبية ودوران المحطة، فإنه يصلي إلى أي اتجاه يكون أمامه، ويسقط عنه استقبال القبلة للعجز.

 

ثالثًا الصيام: الأولى أن يفطر ويقضي بعد عودته إلى الأرض أخذًا برخصة السفر، فإن شاء أن يصوم فيقدر وقت الإمساك والإفطار على توقيت محطة الانطلاق أو مكة ضمن دورة مدتها 24 ساعة.

 

وتفصيلاً:

 

1. تقدير وتحديد مواقيت الصلاة والصيام:

 

المرجع الأساسي في أمهات الكتب لهذه النازلة هو ما ورد في كيفية الصلاة في الأيام التي تطول حتى تصبح كالسنة أو كالشهر ومنه اتخذت الأحكام لقطبي الأرض، أو في الفضاء، وذلك في حديث النواس بن سمعان رضي الله عنه في ذكر الدجال في صحيح مسلم، وفيه: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، وَمَا لَبْثُهُ فِي الْأَرْضِ؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ يَوْمًا، يَوْمٌ كَسَنَةٍ، وَيَوْمٌ كَشَهْرٍ، وَيَوْمٌ كَجُمُعَةٍ، وَسَائِرُ أَيَّامِهِ كَأَيَّامِكُمْ»، قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، فَذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَسَنَةٍ، أَتَكْفِينَا فِيهِ صَلَاةُ يَوْمٍ؟ قَالَ: «لَا، اقْدُرُوا لَهُ قَدْرَهُ».

 

وجه الدلالة: أمر النبي ﷺ بتقدير الأوقات عندما تختل العلامات الطبيعية الشروق والغروب. وعليه، اتفق العلماء المعاصرون على أن الرائد عليه أن يقدر 24 ساعة، ويصلي ويصوم قياسًا على أقرب نقطة اعتدال، كمنطقة الانطلاق لأنها آخر عهده بالأرض، أو مكة المكرمة لأنها أم القرى.

 

2. تحديد اتجاه القبلة في انعدام الجاذبية:

 

نصت المبادئ الشرعية على أن القبلة تسقط عند العجز. ورائد الفضاء يدور حول الأرض بسرعة فائقة وتتغير زاويته باستمرار.

 

وقد رتب العلماء أولوية التوجه كالتالي:

أ. الكعبة المشرفة أو مسقطها.

 

ب. كوكب الأرض بشكل عام.

 

ج. فإن تعذر ذلك لعجزه عن التثبت، صلى حيثما كان وجهه.

 

الأصل في ذلك: قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ ۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115].

وما ذكره الإمام ابن قدامة في المغني: "فإن خفيت عليه القبلة في الحضر أو السفر، لغيم أو ظلمة، فلم يقدر على معرفتها بيقين ولا اجتهاد، صلى على حسب حاله... ولا إعادة عليه".

وقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16].

 

3. حكم الصيام:

 

يصوم على توقيت محطة الانطلاق كما سبق في مواقيت الصلاة اقدروا له قدره. وبما أن رائد الفضاء يعتبر "مسافرًا" سفرًا مباحًا تقطع فيه المسافات الشاسعة، فله أن يترخص برخصة الإفطار، وهذا هو الأيسر والأنسب لظروفه الصحية والبدنية. دليل ذلك: قوله تعالى: {فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} [البقرة: 184].

 

القواعد الفقهية الحاكمة في صلاة وصوم رواد الفضاء مع اختلال المواقيت:

 

"المشقة تجلب التيسير: وانعدام الجاذبية وسرعة دوران المحطة مشقة بالغة تقتضي التخفيف في التوجه للقبلة وحركات الصلاة.

 

"الميسور لا يسقط بالمعسور": قاعدة مستنبطة من حديث: إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم. فما يستطيعه من العبادة كالنية والقراءة والتقدير لا يسقط بعسرة الباقي كالاستقبال الحقيقي والركوع الفعلي.

 

"الواجب يسقط بالعجز، ولا واجب مع العجز": وعليه يسقط استقبال الكعبة العيني عند الدوران المستمر، وكذلك تسقط حركات الصلاة المعتادة إن لم يتمكن من تثبيت نفسه.

 

"إذا ضاق الأمر اتسع": وهي من فروع القاعدة الأولى. ولما ضاق وقت الشروق والغروب باختلاله، اتسع الأمر بالانتقال إلى التقدير الزمني. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

اقدروا له قدره.. الصوم والصلاة إذا اختل ميزان الليل والنهار