والد له ابن عاق ويخشى أن يحرم أخواته البنات من الميراث ويريد أن يكتب أملاكه ويوزعها عليهم وهو حي بالقسمة الشرعية أي بيع وشراء.. فما الحكم؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن من
أعظم مقاصد الشريعة الإسلامية إقامة العدل وحفظ الحقوق من الضياع، ودفع الظلم قبل
وقوعه. وشعور الأب بالمسؤولية تجاه بناته وخشيته عليهن من تغول أخيهن العاق وتعديه
على حقوقهن بعد وفاة الأب، هو شعور ينبع من كمال الرعاية وأداء الأمانة التي طوقه
الله بها. وقد وسع الشرع الحنيف للإنسان في ماله حال صحته ليضع التدابير التي تحفظ
حقوق الضعفاء، شريطة ألا يخرج ذلك عن ضوابط العدل التي أمر الله بها.
اختصارًا:
يجوز
للأب شرعًا أن يوزع أملاكه على أولاده الابن والبنات في حال حياته وصحته، بالقسمة
الشرعية للمواريث للذكر مثل حظ الأنثيين، لحماية حقوق البنات من جشع أخيهن.
واستخدام عقود "البيع والشراء" دون دفع ثمن حقيقي يُكيّف شرعًا على أنه
"هبة". ولكي يكون هذا التصرف صحيحًا ونافذًا، يجب أن تكون الهبة
"ناجزة"، أي تُنقل الملكية لهم فورًا في الدوائر الرسمية بحيث تخرج
الأملاك من ذمة الأب إلى ذممهم، ولا يجوز تعليق نفاذ العقد إلى ما بعد الوفاة.
وبتصرفه هذا يُعد الأب مأجورًا لقصده دفع الظلم وحفظ الحقوق.
وإن
كان الأمر لا يخلو من محاذير ومخاوف، فالأب يراهن على أن الحال سيبقى على حاله حتى
مماته، وهو أمر غير مضمون فلا ضمان على الأرزاق ولا على الأعمار، وأرجو ألا يندم
الرجل على فعله إن ظهر من أبنائه عقوق، فإن أدرك الرجل المخاطر ثم أقدم عليها فهذا
شأنه. ولذلك ننصح وبشدة أن يستشير الأب خبيرًا قانونيًّا حسب المكان الذي
يقيم فيه ليحميه بطرق قانونية مشروعة من تغول أبنائه عليه في المستقبل.
﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل:43).
وتفصيلاً:
أولاً:
تكييف توزيع الأملاك في الحياة:
المال
الذي يوزعه الإنسان في حياته لا يُسمى "ميراثًا" أو "تركة"
بالمعنى الشرعي؛ لأن الميراث لا يثبت إلا بعد الموت. بل يُسمى في الفقه الإسلامي
"هبة" أو "عطية". وللإنسان أن يتصرف في ماله بالهبة لمن يشاء
حال كمال أهليته صحته وعقله منوطًا ذلك بنيته وتحقيق المصلحة.
ثانيًا:
حكم تقسيم الهبة على الأولاد بالقسمة الشرعية للمواريث:
الأصل
في إعطاء الأولاد هو وجوب "العدل" بينهم، لحديث النعمان بن بشير رضي
الله عنه أن النبي ﷺ قال: «اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا فِي أَوْلَادِكُمْ» متفق
عليه. ولكن كيف يتحقق العدل؟
اختلاف
العلماء في تقسيم الهبة على الأولاد بالقسمة الشرعية للمواريث:
الجمهور
الحنفية والمالكية والشافعية: ذهبوا إلى أن العدل يتحقق بالتسوية المطلقة بين
الذكر والأنثى في العطية حال الحياة.
الحنابلة
وإسحاق ومحمد بن الحسن من الحنفية: ذهبوا إلى أن العدل بين الأولاد في الهبة يكون
كقسمة الميراث، فيُعطى الذكر مثل حظ الأنثيين، استدلالاً بأن الله تعالى قسم لهم
هكذا في الميراث، فكانت قسمة الله هي أعدل القسمة في الحياة والممات. قال الإمام
أحمد: "أحب إليّ أن يقسم ماله على فرائض الله تعالى".
الخلاصة:
اختيار الأب هنا لتوزيع الأملاك وفق "القسمة الشرعية" هو عمل صحيح
وموافق لمذهب معتبر وهو مذهب الحنابلة، وتبرأ به الذمة، ولا يُعد ظالمًا لأي طرف.
ثالثًا:
استخدام عقود "البيع والشراء" البيع الصوري:
يلجأ
الكثيرون إلى نقل الملكية بعقود بيع وشراء لضمان عدم الطعن فيها قانونًا بعد
الوفاة. وفي ميزان الشريعة الإسلامية: إذا كُتب عقد "بيع" ولم يُدفع ثمن
حقيقي، فهذا يسمى "بيعًا صوريًّا". والفقه الإسلامي ينظر إلى حقيقة
العقد لا إلى اسمه. فهذا التصرف يُعتبر شرعًا "هبة" ويأخذ أحكام الهبة.
رابعًا:
شروط صحة هذا التصرف حتى لا يُبطل شرعًا:
لكي
يحقق الأب هدفه بحماية بناته إبراءً لذمته أمام الله، يجب أن تُستوفى شروط الهبة،
وهي:
-
التنجيز: أي عدم التعليق بالموت فيجب ألا يكتب في العقود أن الملكية لا تنتقل إلا بعد
الوفاة، أو أن يكتب العقود ويخفيها في درجه لتظهر بعد موته. إن فعل ذلك، تحولت
الهبة إلى "وصية"، والقاعدة النبوية الصريحة: «لا وصية لوارث»، فتكون
باطلة ويمكن للابن نقضها.
-
القبض التام نقل الملكية والتخلية: يجب أن تُسجل هذه الأملاك بأسماء
الأولاد الابن والبنات في السجلات الرسمية وتسلم لهم، بحيث يرفع الأب يده عنها
كمالك، وتصبح تحت تصرفهم القانوني والفعلي.
-
أن يكون الأب في حال الصحة، وليس في "مرض الموت".
خامسًا:
نية الأب ومقصد دفع الضرر:
بما
أن نية الأب ليست حرمان الابن العاق لأنه سيعطيه نصيبه الشرعي أيضًا، بل نيته هي
"تأمين" حصص البنات خوفًا من تعدي الابن، فهذه نية محمودة ومقصد شرعي
عظيم. فقد أمر الشرع بالأخذ بالأسباب لدفع الظلم، وفي هذا سد لذريعة أكل أموال
اليتامى والنساء بالباطل، وهو ما يتوعد الله فاعله بأشد العذاب.
القواعد
الفقهية الحاكمة في تقسيم ميراثه على أبنائه قبل الوفاة:
العبرة
في العقود للمقاصد والمعاني، لا للألفاظ والمباني: ولهذا اُعتبر
عقد "البيع والشراء" الصوري بمثابة "هبة" شرعية، وطُبقت عليه
أحكامها.
الضرر
يُدفع بقدر الإمكان/ لا ضرر ولا ضرار: حرمان البنات من
حقهن ضرر متوقع بناءً على عقوق الابن، فشرع للأب اتخاذ التدابير المنجزة في حياته
لدفعه.
تصرف
المالك في ملكه نافذ: ما دام الأب حيًّا صحيحًا، فله نقل
ملكياته لمن يشاء من أولاده بشرط العدل وهو متحقق هنا بتطبيق القسمة الشرعية.
الهبة
تُمَلَّك بالقبض: لا يثبت حق البنات والأولاد في هذه الأملاك حصريًّا
إلا بنقل الملكية القانوني ورفع يد الأب عنها حال حياته. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: