هل يجوز أن يخص ابنتيه وزوجته بالشقة ميراثه الوحيد؟

زوجة وبنتان يعيشون في شقة تمليك وليس لهم غيرها ولا أملاك أو أموال أخرى والوالد يخاف من إخراجهم من الشقة وتوزيع حقها على الورثة لأنه سمع أن الزوجة والبنات سيخرجون إلى شقة إيجار يدفع شهريًّا والايجار عالي جدًّا،  وبذلك فإن المال المقسوم من التركة سيضيع في الإيجار وإن الورثة أيضًا سيتقاسمون قيمة الأثاث المفروش في الشقة، فمن أين لها ذلك المال لتدفعه لهم،  ولو البنتان تزوجوا أين تذهب الزوجة وكيف تتعامل في هذا الموقف بعد كبر سنها وزوجها ليس له معاش؟

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وقد جاءت الشريعة الإسلامية بحفظ الضروريات الخمس، ومن أهمها حفظ النسل والأسرة، وتأمين الحياة الكريمة للمرأة زوجةً كانت أو بنتًا. وشعور الأب بالمسؤولية تجاه زوجته وبناته وخوفه عليهن من الضياع أو التشتت بعد وفاته، خاصة مع عدم وجود دخل ثابت أو معاش، هو شعور نبيل يتوافق مع مقاصد الشرع الحنيف، وقد شرع الله من الفسحة والبدائل المباحة في حال الحياة ما يرفع هذا الحرج ويدرأ هذا الخطر، دون الوقوع في محظور شرعي أو تعدٍّ على أحكام المواريث.

 

اختصارًا:

 

لا يوجد في الشرع ما يمنع تنازل الرجل حال صحته وحياته عن بعض أو كل ماله لزوجته، فيجوز شرعًا للزوج أن يكتب الشقة السكنية والأثاث باسم زوجته أو زوجته وبنتيه بعقد "هبة ناجزة" عطية تامة، وينقل ملكيتها إليهن تسجيلاً وتوثيقًا. وبمجرد إتمام هذا التمليك القانوني والشرعي، تخرج الشقة والأثاث من ذمته المالية، ولا تُعد من "التركة" بعد وفاته، بل تصبح ملكًا خالصًا لهن، ولا يحق لأي من الورثة كالعصبات المطالبة بأي حق فيها أو إخراجهن منها. وهذا التصرف في هذه الحالة بالذات يُعد من أعمال البر والمروءة، ولا يدخل في باب التحايل المحرم؛ لأن القصد هو دفع ضرر التشرد عن الضعاف، وليس مجرد الإضرار بالآخرين.

 

ولكن من يضمن للزوج أن يتوفى قبل زوجته، فلا ضمان على الأعمار ولا الأرزاق، يسعى المرء قدر طاقته وجهده وعلمه، ثم تأتي المقادير كما يشاء الله ويريد، ولذلك ننصح وبشدة أن يستشير الأب خبيرًا قانونيًّا حسب المكان الذي يقيم فيه ليحميه بطرق قانونية مشروعة من تغول ابنته أو زوجته عليه في المستقبل. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (النحل: 43).

 

وتفصيلاً:

 

أولاً: تكييف مخاوف الأب في ميزان الشرع:

 

إذا تُوفي الأب وبقيت الشقة على ملكه، فإنها تؤول إلى الورثة شرعاً للزوجة الثمن، وللبنتين الثلثان، والباقي للعصبة كالإخوة أو الأعمام. ومن حق أي وارث شرعًا وقانونًا أن يطالب بفرز نصيبه، مما يؤدي غالبًا في العقارات التي لا تقبل القسمة كالشقة إلى بيعها جبرًا وتوزيع ثمنها. وخوف الأب من هذا المصير الذي سيترك زوجته وبناته بلا مأوى هو خوف معتبر شرعًا؛ لحديث النبي ﷺ لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ» متفق عليه. وتأمين السكن هو قمة الإغناء عن ذل السؤال.

 

ثانيًا: الحل الشرعي الهبة الناجزة:

 

اتفق أهل العلم على أن للإنسان الحرية المطلقة في التصرف في ماله حال صحته، وعليه، يجوز للأب أن يهب الشقة لزوجته وبناته. وكي تكون الهبة صحيحة لا مطعن فيها شرعًا ولا قانونًا، يجب أن تتوافر فيها الشروط التالية:

 

أن تكون في حال الصحة: ألا يكون الأب في مرض الموت، فإن كان مريضًا مرضًا يُتوقع فيه الموت، أخذت الهبة حكم الوصية، والوصية للوارث لا تنفذ إلا برضا باقي الورثة.

 

التنجيز وعدم التعليق بالموت: يجب أن ينقل الملكية إليهن فورًا، لا أن يكتب عقدًا ويشترط ألا يُعمل به إلا بعد وفاته؛ لأن هذا يجعله وصية.

 

القبض وحيازة الملك: يتحقق القبض في زماننا بتسجيل الشقة في الدوائر الرسمية بأسماء الزوجة والبنات، بحيث يثبت لهن حق التصرف فيها.

 

ثالثًا: تفريق العلماء بين نية الإضرار ونية تأمين الضعاف:

 

قد يثور تساؤل: أليس في هذا حرمان لباقي الورثة كالعصبات؟

 

العلماء المحققون يفرقون في "النية" بين حالتين:

 

الحالة المذمومة: أن يكون الدافع الأساسي هو كراهية الورثة كالإخوة وقصد حرمانهم، مع عدم وجود حاجة ماسة للموهوب لهم. هذا يأثم فاعله.

 

الحالة المحمودة وهي حالة السؤال: أن يكون الدافع هو حماية "الضعفة" الزوجة والبنات من التشرد والضياع في ظل غياب عائل ومعاش، وعدم امتلاكهن لمسكن آخر. في هذه الحالة، القصد هو "دفع الضرر النازل بأسرته" وليس "الإضرار بالعصبة". وقد نص فقهاء الحنفية وغيرهم على أن الرجل إذا وهب ماله لبعض ورثته لحاجة أو مصلحة معتبرة جاز ذلك ولم يأثم. وقال الإمام ابن قدامة في المغني: فإن خص بعضهم لمعنى يقتضي التخصيص، مثل اختصاصه بحاجة، أو زمانة (مرض)، أو عمى... فقد روي عن أحمد ما يدل على جواز ذلك. وتأمين المأوى لنساء لا عائل لهن هو من أعلى درجات الحاجة.

 

رابعًا: حكم أثاث الشقة:

 

الأثاث يأخذ حكم الشقة. يمكن للزوج أن يُشهد في حياته أن جميع أثاث المنزل هو ملك لزوجته وبناته هبةً منه لهن، أو لسداد مؤخر صداق الزوجة إن وُجد. وبذلك يخرج الأثاث من التركة ولا يحق لأحد مقاسمتهن فيه.

 

القواعد الفقهية الحاكمة فيمن يخص ابنته وزوجته بالشقة ميراثه الوحيد:

 

الأمور بمقاصدها: قَصْدُ الأب هنا حماية عرضه وبناته من التشرد، وهو مقصد شرعي عظيم يثاب عليه، وليس قصده التعدي على حقوق الآخرين.

 

الضرر يُزال/ لا ضرر ولا ضرار: تشريد الزوجة والبنات في شقق الإيجار مع ضيق الحال ضرر بالغ، والشريعة تجيز دفع هذا الضرر الأكبر بالتدبير المسبق المباح.

 

تصرف المالك في ملكه حال كمال أهليته نافذ: الأب في صحته مالك تام الملك، وتصرفه بالهبة المنجزة مشروع ونافذ.

 

درء المفاسد مقدم على جلب المصالح: مفسدة ضياع النساء بعد وفاة عائلهن، أعظم من مصلحة توريث العصبات نصيبًا من شقة هي كل ما تملكه الأسرة.

 

الهبة تُمَلَّك بالقبض: متى تم توثيق الشقة ونقل ملكيتها رسميًّا للزوجة والبنات، تمت الهبة وخرجت العين عن أحكام المواريث. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

يريد أن يرثه بناته فقط.. فهل يأثم إن وزّع عليهن كل التركة؟

كتابة التركة للبنات خوفا من ميراث أعمامهم!

الهبة حال الحياة تصرف مشروع أم تعد آثم؟