ما الأحكام الفقهية المتعلقة بشراء الأراضي والعقارات الافتراضية داخل العوالم الرقمية واستئجارها وتداول الأصول الرقمية الفريدة، وهل تعتبر أموالاً متقوِّمة شرعاً تُطبق عليها أحكام الشفعة والهبة والميراث؟
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث
رحمة للعالمين، سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن النوازل
المعاصرة المتعلقة بالعوالم الرقمية وما تحويه من أراضٍ وعقارات افتراضية، وتداول
الأصول الرقمية الفريدة، تستدعي نظرًا فقهيًّا دقيقًا ينطلق من مقاصد الشريعة
الإسلامية في حفظ المال، وضوابط التَّقَوُّم المالي، ومفهوم الاستخلاف وعمارة
الأرض، للوقوف على تكييفها الصحيح ومدى انطباق الأحكام الفقهية عليها.
اختصارًا:
لا
تعد الأراضي والعقارات الافتراضية والأصول الرقمية التي لا تقابلها منفعة حقيقية
معتبرة أموالاً متقوِّمة بالمعنى الشرعي الكامل الذي تنطبق عليه أحكام الشفعة
بمعناها الحقيقي؛ لانتفاء الجوار المادي والضرر الحسي. ويجب على المسلم النأي
بنفسه عن هذا العبث المالي الذي يفتقد للرصيد الواقعي، وفي حال انتقالها إليه عبر
الإرث، لزمه التخارج منها والتخلص من تبعاتها باستبدال بها ما ينفع. والأولى فقهيًّا
عدم الاسترسال في تفريع الأحكام الدقيقة على هذه الممارسات تنزيهًا للشريعة عن
إقرارها وإضفاء الشرعية عليها.
وتفصيلاً:
أولاً: ينبغي
للمسلم أن يبتعد عن هذه المجالات التي لا ينبني عليها نفع حقيقي، ولا تتوافق مع
مهمة الخلافة عن الله في الأرض. فقد خلق الله الإنسان لمهمة سامية، وهي عمارة
الأرض الحقيقية ونفع البشرية، كما قال تعالى: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ
وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾، وقال جل شأنه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ
خَلِيفَةً﴾.
إن
استنزاف الأموال الحقيقية والأوقات في عوالم افتراضية وشراء مساحات وهمية لا وجود
لها في الواقع، يتنافى مع هذه المهمة، ويدخل في دائرة العبث وإضاعة المال الذي نهى
عنه النبي ﷺ: "إن الله
كره لكم ثلاثًا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال" (متفق عليه). وقد نص
العلماء على أن "المال المتقوم" يشترط فيه أن تكون له منفعة مباحة
مقصودة شرعًا وعادة، وما يحدث في هذه العوالم يغلب عليه التوهم، والمضاربات
الصورية، وأكل أموال الناس بالباطل عبر الغرر الفاحش.
ثانيًا: للمسلم
إذا مات أحد مورثيه وكانت له من هذه الأشياء ما يمكن الانتفاع به ماليًّا نظرًا
لوجود قيمة سوقية لها عند المتعاملين بها في واقع الأمر، فإنه يتوجب عليه أن
يتخارج منها في أقرب فرصة ممكنة، ويستبدل بها ما ينفع من الأصول الحقيقية
والمشاريع الواقعية التي تخدم دينه ودنياه. فالقاعدة النبوية ترشدنا إلى ترك
المشتبهات والمفاسد، كما في قوله ﷺ:
"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". فالتخلص من هذه الأصول الموهومة ببيعها
لمن يستحلها أو يتداولها، وتحويلها إلى نقد حقيقي ثم استثماره في الحلال البين، هو
المسلك الشرعي الآمن لمن آلت إليه بالإرث، وذلك تفاديًا لإضاعة قيمة التركة من
جهة، وسدًّا لذريعة الاستمرار في هذا العبث من جهة أخرى.
ثالثًا: الأصلح
أن تنزه الشريعة عن الدخول في تفاصيل هذا العبث، كأن تُعقد المباحث الفقهية
الطويلة لمناقشة ثبوت حق الشفعة للجار في أرض افتراضية مجاورة في العالم
الافتراضي، أو كيفية القبض في هبة الأصول الرقمية. لأن تنزيل أحكام الفقه الإسلامي
العميقة -التي وُضعت لحل نزاعات البشر الحقيقية ورفع الضرر الواقعي- على أوهام
وتخيلات رقمية بحتة، قد يكون بمثابة إقرار ضمني من الشريعة لفاعليه، وإضفاء
للشرعية على سوق تحكمه المقامرات والمضاربات الوهمية. الشريعة الإسلامية والفقه
الإسلامي يتعاليان عن الغوص في تفاريع معاملات مبنية على السراب، وتكتفي بإعطاء
الحكم الكلي المانع من الخوض فيها حمايةً لمال المسلم وعقله.
القواعد
الفقهية الحاكمة في بذل المسلم أموالاً للحصول على أراض افتراضية:
كل
ما لا منفعة فيه شرعًا وعادة لا يتقوم مالاً، ولا يصح جعله محلاً للمعاوضات.
درء
المفاسد مقدم على جلب المصالح: ومفسدة إضاعة المال والغرر مقدمة على
المصلحة الموهومة من الربح المادي العابر).
سد
الذرائع: يُمنع التعامل والتوسع فيها سدًّا لذريعة أكل أموال الناس بالباطل والتعلق
بالأوهام.
الضرر
يزال: والضرر هنا متحقّق بالمخاطرة العالية جدًّا والغرر الذي يكتنف طبيعة هذه الأصول
التي لا تستند إلى أصول مادية أو منافع حقيقية. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: