كيف يستفيد الداعية من العلوم الإنسانية بصورة منضبطة؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا رجل في منتصف الخمسينيات، وأعمل منذ سنوات في مجال الدعوة، وقد تعلمت العلوم الشـرعية وقرأت قدرًا جيدًا من الفقه والتفسير والحديث والسيرة، وأشعر أن لدي رصيدًا علميًّا جيدًا يمكنني من إعداد الدروس والخطب</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif;mso-bidi-language:AR-EG"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">لكنني في السنوات الأخيرة بدأت ألاحظ أن بعض القضايا التي تواجه الناس أصبحت أعقد بكثير من مجرد معرفة الحكم الشـرعي. يأتي إليّ شاب يعاني من إدمان الهاتف، أو فتاة تعاني من ضغط أسري، أو زوجان يختلفان باستمرار، أو شاب لديه أفكار مضطربة، أو إنسان يعيش أزمة مالية، فأجد أن معرفتي بالحكم الشرعي وحدها لا تكفي لتوجيهه</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-bidi-language:AR-EG"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">وأحيانًا أشعر أنني إذا قدمت له حكمًا شرعيًّا صحيحًا، فإنني أكون قد أجبت عن السؤال، لكنه يعود إليّ بعد فترة بالمشكلة نفسها. وأصبحت أتساءل: هل يحتاج الداعية إلى دراسة علم النفس والاجتماع والتربية والاقتصاد والإعلام؟ وهل هذه العلوم يمكن أن تؤثر في شخصيته الدعوية؟ وهل يمكن أن يأخذ منها دون أن يتأثر بأفكارها المخالفة للدين؟</span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-bidi-language:AR-EG"><o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">أريد منكم أن توضحوا لي كيف يمكن للداعية أن يستفيد من العلوم الإنسانية بصورة منضبطة، وأن تضعوا لي تصورًا عمليًّا لتطوير نفسـي علميًّا حتى أستطيع أن أفهم الإنسان المعاصر بصورة أفضل، دون أن أضحي بهويتي الشرعية أو أتحول إلى متخصص في كل شيء</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif;mso-bidi-language:AR-EG"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span><span lang="AR-EG" style="font-size:16.0pt;font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;,serif;mso-bidi-language:AR-EG"><o:p></o:p></span></p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أخي الكريم، وبارك الله في علمك وحرصك على تطوير أدواتك الدعوية. وما وصلت إليه من سؤال ليس علامة نقص، بل علامة نضج؛ لأن الداعية كلما اتسعت معرفته أدرك أن الإنسان أعقد من أن يعالج بمعلومة واحدة.

 

والدعوة في جوهرها خطاب للإنسان، ومن ثم فإن فهم الإنسان جزء مهم من حسن الدعوة إليه. ولا يعني ذلك أن يصبح الداعية طبيبًا نفسيًّا أو عالم اجتماع أو اقتصاديًّا، وإنما يعني أن يمتلك قدرًا من الثقافة التي تساعده على فهم السياق، ثم يعرف متى يحتاج إلى المتخصص.

 

وقد أمر الله تعالى بالقراءة فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: 1]. والقراءة هنا تفتح أمام الإنسان أبواب المعرفة، كما أن القرآن نفسه دعا إلى النظر في الإنسان والمجتمع والكون والتاريخ.

 

والداعية الذي يدرس علم النفس يستطيع أن يفهم بعض الفروق بين المراحل العمرية، ويعرف أن أسلوب الحديث مع طفل يختلف عن شاب، وأن الإنسان في الأزمة النفسية قد لا يستقبل النصيحة بالطريقة التي يستقبلها في حال الاستقرار.

 

ومن يدرس علم الاجتماع يستطيع أن يفهم أن بعض المشكلات ليست فردية فقط، بل لها أسباب أسرية واقتصادية وثقافية. فإذا رأيت ظاهرة تأخر الزواج مثلًا، فلا يكفي أن تقول للشباب: «تزوّجوا»، بل ينبغي أن تسأل: ما أسباب التأخر؟ هل هي اقتصادية؟ ثقافية؟ سكنية؟ تعليمية؟ ثم يأتي الخطاب الشرعي ليعالج الظاهرة في ضوء الواقع.

 

ومن يدرس الإعلام يعرف كيف تتشكل الصورة الذهنية، وكيف تعمل المنصات، وكيف تؤثر الخوارزميات في تشكيل الاهتمامات. ومن يدرس التربية يستطيع أن يحول الوعظ إلى بناء سلوكي. ومن يقرأ في الإدارة يستطيع أن يحول العمل الدعوي من مبادرات فردية إلى مؤسسات قادرة على الاستمرار.

 

لكن هناك ضابط مهم: الاستفادة لا تعني التبعية.

 

فالعلوم الإنسانية فيها مدارس ونظريات وتجارب صحيحة وأخرى محل نظر، وبعضها يقوم على فلسفات مادية لا تتفق مع الرؤية الإسلامية للإنسان. لذلك لا ينبغي للداعية أن يأخذ كل نظرية باعتبارها حقيقة نهائية.

 

تعلم النظرية، وافهم فرضياتها، واعرف حدودها، ثم استفد مما ثبت نفعه، واعرض ما يحتاج إلى مراجعة على أصول الإسلام. بهذه الطريقة يصبح الداعية صاحب شخصية علمية متوازنة.

 

وأقترح عليك خطة تطوير لمدة عام. خصص أول ثلاثة أشهر لعلم النفس العام والتربوي، مع التركيز على فهم الشخصية والمراحل العمرية والتعلم والدافعية. ثم ثلاثة أشهر لعلم الاجتماع والأسرة والظواهر الاجتماعية. ثم ثلاثة أشهر للإعلام والاتصال وصناعة الرأي العام. ثم ثلاثة أشهر في الإدارة والتخطيط وقياس الأثر.

 

ولا تقرأ عشرات الكتب. اختر كتابًا أو دورة موثوقة في كل مجال، ثم حاول أن تطبق ما تعلمته في عملك.

 

فإذا درست علم نفس المراهقة، راقب كيف تتعامل مع المراهقين في دروسك. وإذا درست التواصل، سجل إحدى محاضراتك وشاهدها بعين الناقد: هل تتحدث أكثر مما تستمع؟ هل تستخدم لغة يفهمها الجمهور؟ هل تعطيهم فرصة للسؤال؟

 

واجعل لك دفترًا يسمى «دفتر فقه الواقع». كل أسبوع سجل ظاهرة رأيتها في مجتمعك، ثم اكتب: ما أسبابها؟ من المتأثر بها؟ ما بعدها النفسي والاجتماعي؟ ما الحكم الشرعي المتعلق بها؟ ما المدخل الدعوي المناسب؟ ومن أهل الاختصاص الذين يمكن التعاون معهم؟ بهذه الطريقة تتحول العلوم الإنسانية من معلومات نظرية إلى أدوات دعوية.

 

والأهم ألا تحاول علاج كل شيء بنفسك. إذا جاءك إنسان يعاني من مشكلة نفسية متخصصة، فأنت داعية ولست طبيبًا نفسيًّا، وإذا جاءتك مشكلة قانونية معقدة فاستعن بالمحامي، وإذا احتاج الأمر إلى طبيب فوجهه إلى الطبيب. هذا لا يقلل من شأنك، بل يدل على فقهك.

 

وقد قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. والداعية الناجح ليس الذي يعرف كل شيء، وإنما الذي يعرف ما يعرف، وما لا يعرف، ومن يعرف ما لا يعرف.

 

وفي النهاية، فإن الجمع بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية لا يعني تخفيف الشرع، وإنما يعني تحسين القدرة على تنزيله في حياة الناس. فالنص الشرعي ثابت، لكن الإنسان الذي نخاطبه متنوع، والواقع متغير، والوسائل متجددة؛ ولذلك يحتاج الداعية إلى العلم والفقه والحكمة.

 

وأنصحك ختامًا بالآتي:

 

لا تتوقف عن التعلم، ولا تحاول أن تكون متخصصًا في كل شيء، اختر مجالات محددة تخدم رسالتك، تعلم من أهل الاختصاص، طبق ما تتعلمه، راقب أثره، واستعن بالمتخصصين عند الحاجة، وحافظ في الوقت نفسه على رسوخك في العلوم الشرعية حتى تظل عملية الاستفادة من العلوم الإنسانية منضبطة بالمرجعية الإسلامية.

 

وأسأل الله تعالى أن يزيدك علمًا وفهمًا، وأن يفتح لك أبواب الحكمة والبصيرة، وأن يجمع لك بين أصالة العلم الشرعي ووعي الواقع، وأن يجعلك من الدعاة الذين يفهمون الناس قبل أن يخاطبوهم، ويعرفون الواقع قبل أن يحكموا عليه، ويجمعون بين العلم والرحمة والإصلاح.

 

روابط ذات صلة:

هل يمكن أن نستفيد من علم النفس فيحياتنا؟

هل اهتمت الحضارة الإسلامية بعلمالنفس؟