<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أب لمراهقين ومقيم في إحدى الدول الأوروبية منذ سنوات طويلة، وأعمل خادمًا للدعوة وموجهًا في أحد المراكز الإسلامية بالمدينة. نواجه نحن الآباء والأمهات في المهجر تحدياً مصيرياً يتعلق بالحفاظ على هوية أبنائنا وبناتنا الناشئة.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أبناؤنا يتعرضون يوميًّا في المدارس والجامعات والمنصات الترفيهية لضغوط اندماجية وهجمات فكرية مكثفة تُروّج للفردية المطلقة، والاستهانة بالقيم الأخلاقية، والتشكيك في الغيبيات والثوابت الشرعية. <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أصبحنا نرى بعض أبناء المسلمين يستحيون من إظهار هويتهم، أو ينساقون خلف المفاهيم المادية السائدة طلبًا للقبول الاجتماعي بين أقرانهم، مما يولد صراعًا داخليًّا وتمردًا على الأسرة والدين.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">كيف يمكننا كدعاة ومربين في ديار المهجر أن نصوغ خطابًا تربويًّا ودعويًّا يجمع بين "الاعتزاز بالهوية الإسلامية" و"المواطنة الإيجابية والفاعلة"، دون الوقوع في الفكر الانعزالي السلبي أو الذوبان الفكري الفاقد للمعالم؟ وما هي البرامج العملية التي نزرع بها الحصانة الذاتية في نفوس الجيل الجديد؟<o:p></o:p></span></p>
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أخي الكريم، وأجزل الله لك الثواب على حملك لهذا
الهمّ التربوي الجليل في مجتمعات المهجر.
إن قضية تربية
الناشئة وحفظ هويتهم في الغرب تُعد من أوجب واجبات الوقت، والخطأ الأكبر الذي يقع
فيه بعض المربين هناك هو الاعتماد على الأساليب الدفاعية القديمة؛ إما بالتقوقع
داخل نتوءات مغلقة تجعل الطفل يشعر بالغربتين، أو بالمبالغة في تقديم التنازلات
الفكرية حتى يتلاشى الطابع الإسلامي تمامًا.
ولبناء حصانة
متوازنة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، نعتمد المنهجية التالية:
أولاً: الانتقال
من عقدة (الدفاع والاعتذار) إلى (الاعتزاز الحضاري):
يجب أن نربي
أبناءنا على أن الإسلام ليس مجرد طقوس موروثة أو حمولة ثقيلة تُشعِرهم بالدونية
أمام الحضارة المادية، بل هو رسالة إنقاذ وإصلاح للبشرية. علّمهم أن التمسك
بالأخلاق الإسلامية والتوحيد هو مصدر قوة وتميز لا سبب للخجل. ثبت عن النبي ﷺ أنه
قال: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ» [متفق عليه]؛
والرعاية هنا تتطلب بناء الوعي الفكري لدى الناشئة، ليتحول الشاب المسلم من موقف
"المتلقي الخائف من التأثر" إلى موقف "صاحب الرسالة النافعة
لمحيطه". علمهم كيف يقدمون قيم العدل، والرحمة، والعفاف، وبر الوالدين كبدائل
أخلاقية راقية للمجتمعات التي تعاني من التفكك والضياع النفسي.
ثانيًا: بناء
(البيئة الموازية) والرفقة الصالحة:
لا يمكن لأي جيل
أن يصمد في وجه التيار الجارف بمفرده دون سند اجتماعي يشد أزره؛ لذا ينبغي للمراكز
الإسلامية والأسر إنشاء حاضنات تربوية بديلة تكون جاذبة وذكية. روى أبو داود عن
النبي ﷺ أنه قال: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ
يُخَالِلُ»؛ والحل ليس بمنع الشاب من مخالطة مجتمعه، بل بضمان وجود "ملاذ
إيماني آمن"؛ أندية رياضية، رحلات استكشافية، ومجموعات شبابية تحتفي بالذكاء
والإبداع وتغرس قيم الأخوة في الله. حين يشعر الشاب أن له أقرانًا ناجحين ومتميزين
يشاركونه عقيدته، سينكسر عنه حاجز الشعور بالوحدة أو العزلة.
ثالثًا: اعتماد
الحوار المفتوح وتفكيك الشبهات المعاصرة:
إن أسلوب الزجر
أو الترهيب لم يعد ينفع مع ناشئة ينفتحون بلمسة زر على كل الأفكار العالمية. يجب
فتح أبواب الحوار الهادئ داخل الأسرة والمركز الإسلامي، واستيعاب أسئلتهم الصعبة
في الوجود، والعدل الإلهي، والأخلاق، ودور الدين. علّموهم قواعد "التفكير
الناقد" ليتعلموا كيف يفككون المقولات السائدة ولا ينخدعون بالمصطلحات
البراقة. اجعلوا البيت مكانًا آمنًا للأسئلة دون خوف من التبديع أو التوبيخ، لأن
الشبهة التي لا تُعالج في البيت والمركز ستجد إجاباتها المنحرفة في المدرسة أو
الشابكة.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
• القدوات العملية قبل الأقوال: كن مع أهلك
وزملائك أُنموذجًا في الصدق، والجدية، وحسن الجوار، ليحب الأبناء الدين من خلال
تعاملكم.
• استثمار اللغة
والوسائل المعاصرة: قدموا المحتوى الإسلامي للناشئة باللغات المحلية للمهجر
وبأسلوب بصري تفاعلي منافس.
• الدعاء بظهر
الغيب: ألِظّوا بدعاء إبراهيم عليه السلام: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ
وَمِن ذُرِّيَّتِي﴾، واستودعوا أبناءكم الله الذي لا تضيع ودائعه.
وأسأل الله عز
وجل أن يقر أعينكم بصلاح أبنائكم، وأن يجعلهم هداة مهتدين، وحصنًا حصينًا للإسلام
في ديار المهجر.
روابط ذات صلة:
كيف نصنع الهوية الإسلامية للأجيال الناشئة في بيئات الاغتراب؟