أيهما أولى الجهر بالذكر في المجالس أم الإسرار به؟

فيما يخص حديث : ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة.. هل يجب أن أرفع صوتي بالذكر وأسمع الآخرين اذا كنت في مجلس أم يكفي أن أذكر بيني وبين نفسي بدون اسماع الآخرين؟  وهل الحديث للوجوب أو الاستحباب؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن مجالس المسلمين لهي ميدان لطاعة الله أو الغفلة عنه سبحانه، وقد حث الشارع الحكيم على إعمار المجالس بذكر الله تعالى والصلاة على نبيه، وحذّر من مجالس الغفلة التي تخلو من ذكر الله، لئلا تكون عاقبتها ندامة وحسرة على أصحابها يوم القيامة.

 

اختصارًا:

 

الذكر فرض كفاية: واضح من نص الحديث أنه يتكلم عن مجلس جماعي، وأن الذكر والصلاة على النبي فيه فرض كفاية فإذا قام به البعض وحبذا لو كان جهرًا ليذكر الباقين سقط الإثم عن المجلس ومن فيه، وإلا لحقتهم الحسرة والخسارة لفوات الأجر.

 

رفع الصوت بالذكر: يستحب رفع صوتك بالذكر وإسماع الآخرين، ويكفي أيضًا أن تذكر الله وتصلي على النبي بينك وبين نفسك بشرط تحريك اللسان والشفتين. ولكن يُستحب الجهر اللطيف بالذكر إذا كان بقصد تذكير الجلساء وإعمار المجلس.

 

حكم الحديث الوجوب أم الاستحباب: اختلف العلماء في حكم الذكر والصلاة على النبي في المجلس؛ فذهب جمهور العلماء إلى أن ذلك سنة مؤكدة ومستحب استحبابًا شديدًا، وتُحمل "الترة" على نقص الثواب والحسرة على ما فاتهم من الأجر. بينما ذهب طائفة من المحققين كالطحاوي وابن حزم وبعض الشافعية والحنابلة إلى وجوب الذكر والصلاة على النبي في المجلس مرة واحدة على الأقل لتوقي الإثم.

 

وتفصيلاً:

 

نص الحديث وتخريجه:

 

عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: «مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُرُوا اللَّهَ فِيهِ، وَلَمْ يُصَلُّوا عَلَى نَبِيِّهِمْ، إِلَّا كَانَ عَلَيْهِمْ تِرَةً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لهُمْ» أخرجه الترمذي برقم 3380 وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود برقم 4855، وأحمد برقم 9966، وصححه الألباني.

 

معنى "الترة":

 

الترة بكسر التاء: هي النقص، والتبعة، والحسرة، والندامة. أي يكون ذلك المجلس ناقص البركة وسببًا للحسرة يوم القيامة لضياع أجر الذكر فيه.

 

الاستدلال على كيفية الإسرار والجهر:

 

من القرآن الكريم: قال تعالى: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ﴾ [الأعراف: 205]؛ فدل على أن أصل الذكر المشروع يكون في النفس ودون الجهر، وهو مجزئ لإسقاط الترة عن الداعي.

 

من السنة النبوية: عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كنا مع النبي في سفر فجعل الناس يجهرون بالتكبير، فقال النبي: «أَيُّهَا النَّاسُ، اربَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لاَ تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلاَ غَائِبًا، إِنَّكُمْ تَدْعُونَ سَمِيعًا قَرِيبًا» رواه البخاري ومسلم.

 

الاستدلال على الطلب والحث:

 

قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: 41]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56]. وقال: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» رواه الترمذي وصححه الألباني.

 

قال الإمام ابن حجر العسقلاني ت 852هـ: في "فتح الباري" 11/ 212: "وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وَجُوبِ الذِّكْرِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ فِي المَجْلِسِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الحَلِيمِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ، وَذَهَبَ الجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ".

 

الإمام النووي ت 676هـ: قال في "الأذكار" ص 288: "يُكْرَهُ لِلْجَالِسِينَ فِي مَجْلِسٍ أَنْ يَقُومُوا قَبْلَ أَنْ يَذْكُرُوا اللَّهَ تَعَالَى فِيهِ... وَالسُّنَّةُ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ وَيُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ، وَيَكْفِيهِ أَنْ يَذْكُرَ فِي نَفْسِهِ أو يُسْمِعَ نَفْسَهُ، وَإِنْ أَسْمَعَ مَنْ مَعَهُ كَانَ حَسَنًا لِيُذَكِّرَهُمْ".

 

الإمام ابن القيم ت 751هـ: أشار في "جلاء الأفهام" ص 423 إلى أن الصلاة على النبي تسقط المأثم والندامة في المجلس ولو وقعت مرّة واحدة، وأن الترة قد تكون حسرة على تفويت الأجر الثمين لا عقاباً بالنار.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في السر والجهر بالذكر في المجالس:

 

السر والجهر في العبادات القولية يرجعان إلى القصد والأصل الإسرار: أصل الأذكار القولية الإسرار إلا ما ورد الشارع باستحبابه جهرًا، ويحصل أصل الفضل بتحريك اللسان والشفتين.

 

الخروج من الخلاف مستحب: الذكر والصلاة على النبي ولو مرة واحدة في المجلس يُخرج المكلف من خلاف من قال بالوجوب إلى وفاق من قال بالاستحباب.

 

الوسائل لها أحكام المقاصد: رفع الصوت بالذكر قليلاً بقصد تذكير الغافلين في المجلس يُعد وسيلة مشروعة لها حكم المقصد وهو إعمار المجلس بذكر الله. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

كيف أستعيد حلاوة الصلاة والذكر؟