«الإسراء والمعراج» لماذا كانا ليلًا دون شهود ولا براهين؟

<p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">أنا شاب أتابع شبكات التواصل الاجتماعي، ومؤخرًا صادفت منشورًا على فيسبوك حظي بتفاعل واسع كان يدور حول الإسراء والمعراج. وللأسف كانت التعليقات مليئة بالتشكيك في هذه المعجزة، من حسابات لملحدين ولادينيين يثيرون الشبهات بأسلوب ساخر</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">حاولت المشاركة والدفاع؛ لكنني وجدت نفسي عاجزًا عن تقديم رد علمي ومنهجي يُفحم الساخرين، بل وشعرت بأن ردودي العاطفية زادتهم تمسكًا بآرائهم، مما سبب لي حزنًا وحرجًا شديدين، وجعلني أشعر بالتقصير. وتلخصت أسئلتهم التي توقفتُ عندها في نقطتين رئيسيتين</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>:</span><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><o:p></o:p></span></p> <p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">- هل الإيمان بالإسراء والمعراج يتطلب دليلًا عقليًّا أو حسيًّا لإثباته لمن لا يؤمن بالقرآن والوحي من الأساس؟ أم أن المسألة تعبدية قائمة على التسليم فقط؟ وإن كانت قائمة على التسليم، فكيف نقنع غير المسلم بمنطقية حدث ينافي القوانين الفيزيائية والطبيعية؟<o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">- لماذا كانت الرحلة ليلًا وفي خفاء تام دون أن يرى أحد النبي </span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;AGA Arabesque&quot;;mso-ascii-font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-hansi-font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;; mso-bidi-font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA;mso-char-type:symbol;mso-symbol-font-family:&quot;AGA Arabesque&quot;"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>r</span><span dir="RTL"></span><span dir="RTL"></span><span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;,serif;mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language: EN-US;mso-fareast-language:EN-US;mso-bidi-language:AR-SA"><span dir="RTL"></span><span dir="RTL"></span> لحظة المغادرة ولا لحظة العودة؟ ألا يُستغل هذا التوقيت كذريعة للتشكيك في وقوع الحادثة تاريخيًّا والادعاء بعدم الأدلة على ثبوتها؟</span>

مرحبًا بك يا بني، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يزيدك حرصًا وغيرة على دينك وعلى نبيك ﷺ، وأن يرزقك العلم النافع، والعمل الصالح، وأن يثبتك بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعلك من حراس هذا الدين بالحق والعدل، وبعد...

 

فاعلم يا بني -أولًا وقبل كل شيء- أن عجزك عن الرد في موقف ما ليس دليلًا أبدًا على ضعف الحق الذي تحمله، وإنما هو إشارة لطيفة من الله لك لتسلك طريق العلم؛ فالغيرة العاطفية وحدها لا تكفي في ميادين الشبهات؛ بل لا بد لها من درع من العلم وسيف من البرهان.

 

قواعد مهمة في فهم الإسراء والمعراج

 

1- التدرج في الاستدلال: من الخطأ المنهجي الكبير أن نناقش ملحدًا أو لادينيًّا في فرع من فروع الشريعة أو في معجزة جزئية كالإسراء والمعراج، وهو يخالفنا في الأصل، وهو وجود الله -تعالى- أصلًا وصحة النبوة. فكأننا نبني السقف قبل الجدران!

 

إن الإقناع العاطفي أو الجزئي هنا يفشل بالتأكيد؛ لأنه ليست بينكما أرضية مشتركة للنقاش فوقها.

 

إن التسلسل العقلي المنطقي للوصول للإيمان يتم عبر مراتب متدرجة:

 

ـ المرتبة الأولى: إثبات وجود الخالق العظيم وكمال قدرته وعلمه من خلال إتقان الكون.

 

ـ المرتبة الثانية: إثبات صدق النبوة والوحي بالدلائل والبراهين.

 

ـ المرتبة الثالثة: إذا ثبت بالدليل العقلي أن الله قادر على كل شيء، وأن محمدًا ﷺ رسول صادق لا ينطق عن الهوى، فإن العقل يتنحى هنا، ويسلِّم بكل ما يخبر به الرسول عن ربه؛ لأن إمكان الحادثة صار فرعًا عن قدرة الإله المطلقة.

 

فإذا جاء ملحد ليشكك في الإسراء والمعراج، فالرد المنهجي العقلي هو أن تقول له: «إذا اتفقنا على أن للكون خالقًا قدير لا تعجزه قوانين المادة، وأثبتنا أن هذا الرسول صادق، فإن وقوع الإسراء والمعراج بالنسبة لقدرة هذا الخالق يُعد أمرًا يسيرًا جدًّا».

 

2- المعجزة تخرق القوانين الفيزيائية: سؤال الساخرين: «كيف يقطع إنسان مسافات شاسعة ويخرق أطباق السماوات في جزء من الليل ويمر بقوانين تنافي الفيزياء؟»، نجيب عليه -عقليًّا- بأن قوانين الفيزياء ليست حاكمة على الله؛ لأنها -بكل بساطة ومنطقية- موضوعة من قبله سبحانه، وهو الذي أجراها في الكون. فالذي خلق المادة ووضع قوانين السرعة والجاذبية والزمان والمكان، هو القادر -سبحانه- على تعطيلها أو إيجاد قوانين أخرى بدلًا منها.

 

ولاحظ افتتاح سورة الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ...﴾؛ حيث بدأت السورة بكلمة ﴿سُبْحَانَ﴾ التي تُستعمل لتنزيه الله عند الأمور العظيمة التي تتجاوز قدرات البشر وعقولهم، لتنبِّه العقل منذ اللحظة الأولى أن هذا الفعل لا يقاس بقوة البشر ولا بقوانين الأرض، بل هو بـ «إسراء الله» بـ«عبده».

 

3- تقريب الفكرة بالعلم المعاصر: في العلم المعاصر اليوم، يجري الحديث عن أن الزمان والمكان نسيج مرن طبقًا لنظرية النسبية، وأن هناك ما تسمَّى «الثقوب الدودية»، وهي أنفاق افتراضية في «الزمكان» تطوي الأبعاد لتصل بين نقطتين بعيدتين جدًّا في الكون، والبحوث جارية في هذا الشأن. فإذا كان العلم البشري المادي يقر بإمكانية طي الأبعاد، فكيف نستبعد ذلك على من خلق الأبعاد كلها؟!

 

لماذا كانت الرحلة ليلًا دون شهود؟

 

إن اختيار الليل لحادثة الإسراء والمعراج، وعدم وجود شهود عيان لحظة الانطلاق والعودة يثير لدى السطحيين حيرة؛ لكن عند التأمل في الغايات والوقائع التاريخية نجد فيه حِكَمًا بليغة وبراهين حسيَّة ظهرت في صبيحة تلك الليلة، ومنها:

 

1- الليل مناسب للخلوة والأنس: كانت رحلة الإسراء والمعراج رحلة تكريم وتسلية لقلب النبي ﷺ بعد «عام الحزن» الذي توفيت فيه زوجته خديجة وعمه أبو طالب، وبعد ما لقيه من أذى أهل الطائف. فالليل هو وقت الاختصاص والأنس والمناجاة بين العبد وربه.

 

2- التمحيص وغربلة المجتمع: لم تكن المعجزة مجرد عرض مادي مخصص للتسلية وإبهار الكفار؛ بل كانت ابتلاءً للناس كلهم، مؤمنهم وكافرهم، ليتميز الصادق في إيمانه ممن يعبد الله على حرف. قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: 60].

 

3- السيرة تسرد البراهين: يكرر المشككون أنها حادثة بلا دليل حسي؛ لأنها كانت خفية، وهذا كذب على التاريخ؛ فالنبي ﷺ لم يطالبهم بالتصديق المجرَّد، بل قدَّم لهم في صبيحة تلك الليلة أدلة حسية بصرية لا تقبل الشك وفق معايير ذلك الزمان، ومنها وصفه لبيت المقدس؛ ولم يكن النبي ﷺ قد زاره قط في حياته. فلما كذَّبه أهل قريش وقالوا: «صف لنا بيت المقدس»، جَسَّد الله له بيت المقدس أمامه. يقول ﷺ: «لَمَّا كَذَّبَتْنِي قُرَيْشٌ قُمْتُ فِي الْحِجْرِ، فَجَلَّى اللَّهُ لِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ، فَطَفِقْتُ أُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْهِ» [رواه البخاري]. فوصفه لهم بابًا بابًا وموضعًا موضعًا، فبهتوا وقالوا: «أما الوصف فقد أصاب فيه!».

 

ومن البراهين أيضًا أن النبي ﷺ أخبرهم بحدث حسي مستقبلي يقع في طريق العودة، حيث قال لهم إنه مر بقافلة لقريش في مكان كذا وقد ضل لهم بعير، وشرب من مائهم، وأخبرهم بانتظار القافلة وقت شروق الشمس، مع وصف البعير المفتقد.

 

إذن، لم تكن الحادثة بلا أدلة تاريخية، بل قُدمت فيها أدلة حسية مادية معاصرة لم يستطع كفار قريش إبطالها، بل لجؤوا -كما يفعل ملاحدة اليوم- إلى الاتهام بالكذب والسحر.

 

موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه

 

عندما جاء الكفار إلى أبي بكر رضي الله عنه قالوا له متهكمين: «إن صاحبك يزعم أنه أتى بيت المقدس وعاد في ليلة!»، لم يندفع أبو بكر بعاطفة مسلوبة؛ بل أعمل عقله وفق المنهج الذي ذكرناه في البداية، وقال كلمته الخالدة: «إِنْ كَانَ قَالَ ذَلِكَ فَقَدْ صَدَقَ، إِنِّي لأُصَدِّقُهُ فِيمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ، أُصَدِّقُهُ فِي خَبَرِ السَّمَاءِ فِي بُكْرَةٍ أَوْ عَشِيَّةٍ» [رواه البيهقي].

 

هذا هو عقل المؤمن: إذا ثبت الدليل على صدق المخبِر، يصبح تصديقه في الخبر منطقيًّا عقلانيًّا جازمًا.

 

مقترحات لمواجهة الشبهات على شبكات التواصل

 

لكيلا تتكرر عليك مشاعر الحرج والعجز، أنصحك بالتالي:

 

1- لا تجادل بغير علم: إذا رأيت منشورًا فيه شبهة لا تملك ردها المنهجي، فالواجب الشرعي والعقلي عليك هو الامتناع عن المشاركة، وذلك لأمرين: لئلا تفسد أكثر مما تصلح، ولئلا يتأثر إيمانك ويهتز.

 

2- تحويل مسار النقاش: إذا أردت النقاش، فلا تسمح للمخالف بتحديد الأرضية؛ فإذا طرح شبهة عن أي معجزة أو حكم ما، فأرجعه للأصل وقل له: «نتناقش أولًا في وجود الله وصدق النبوة، فإذا اتفقنا عليها سهُل حل ما سواها».

 

3- تسلَّح بالبناء الفكري والشرعي: أنصحك بحضور دورات شرعية وفكرية متخصصة، سواء بشكل مباشر أو عن طريق الإنترنت، ومطالعة الكتب التي تفكك الشبهات المعاصرة بأسلوب علمي منهجي.

 

4- تجنب الردود العاطفية: الردود العاطفية تُظهر المسلم بمظهر الضعيف العاجز، وتزيد المشكك استعلاءً. فاستبدل بذلك الهدوء واللغة العقلانية أو الصمت.

 

وختامًا يا بني، اعلم أن هذه الشبهات ليست وليدة اليوم، بل هي اجترار لكلام قيل منذ أربعة عشر قرنًا، وبقي الإسلام شامخًا، وبقيت معجزة الإسراء والمعراج منارة تستنير بها قلوب المؤمنين. فاجعل هذا الموقف نقطة انطلاق لك لطلب العلم وتزكية النفس.

 

اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، اللهم اشرح صدورنا للإيمان، وثبِّت أقدامنا على الحق، واجعلنا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، والحمد لله رب العالمين.

 

روابط ذات صلة:

كيف نتعامل مع تشكيك الشباب في المعجزات والغيبيات؟

كيف غاب الوقت الدقيق لـ«الإسراء والمعراج» عن الذاكرة الإسلامية؟