أنا مزارع، قمت باستئجار أرض زراعية لمدة سنة بمبلغ معلوم، لكن في منتصف العام اجتاحت المنطقة آفة زراعية مفاجئة قضت على المحصول بالكامل وتسببت لي بخسارة فادحة، ورفض صاحب الأرض تخفيض الإيجار متمسكاً بالعقد؛ فهل يضمن المؤجر "الجائحة السماوية" التي تذهب بنفع العين المستأجرة، وهل يسقط الإيجار عن المستأجر؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، المسألة
خلافية بين العلماء، والخلاف فيها منطقي ومفهوم، فإنصاف أحد طرفي العقد قد يعد جورًا
على الطرف الآخر، ولا يمكن الجزم أيهما أكثر حاجة وأولى بالرعاية من أخيه، فحط
الأجرة بكمالها عن المستأجر هو نقل للآفة إلى صاحب الأرض ولعل الأجرة هي قوته
الوحيد، وتحميل المستأجر أجرة منفعة لم يحصلها ربما يكون تكليفًا له بما لا يطيق.
اختصارًا:
حكم
إيجار الأرض عند الجائحة: القول الراجح فقهيًّا وهو مذهب
الحنابلة والمالكية، وما أخذت به القوانين الحديثة عبر "نظرية الظروف
الطارئة" أن الآفة السماوية العامة التي تقضي على المحصول دون تقصير من
المزارع تُسقط عن المستأجر أجرة الأرض بقدر ما فاته من النفع، ولا يحق للمؤجر
المطالبة بكامل الأجرة عن منفعة لم تتحقق بمراد العقد.
أما
تفصيلاً:
فالمسألة
تحتاج إلى اجتهاد معاصر في ظل دور الحكومات والنقابات فيقع على عاتق الدولة عبر
خزينتها وصناديق المخاطر الزراعية والمؤسسات النقابية التكافلية واجب شرعي وأخلاقي
بإعانة المزارعين وتوفير التعويضات اللازمة؛ استنادًا لمبدأ التكافل وإعمالاً
لقاعدة "الغرم بالغنم"، فكما تستفيد الدولة والنقابات من الرسوم
والضرائب والاشتراكات في أعوام الرخاء والوفرة، يتوجب عليها جبر الخسائر وإغاثة
المزارعين في أعوام الجوائح والشدة، وقد كان معمولاً به في عصور الإسلام الذهبية
في بغداد والأندلس، ومعمولٌ به الآن في معظم بلاد العالم المتقدم. وهذا يرفع الإصر
عن كاهل الضعفاء من المؤجرين والمستأجرين معًا، وحينها يمكن وضع الضوابط التي
تستثني الموسرين ومن يتحملون الأضرار وتركز عملها على ضعاف المتضررين.
إذا
أصابت الأرضَ المستأجرةَ آفةٌ عامةٌ تمنع الانتفاع المقصود من الإجارة، فإن
الفقهاء يفرّقون بين صور متعددة:
فإن
كانت الآفة قد منعت أصل الزراعة أو الانتفاع بالأرض، فلا أجرة على المستأجر؛ لأن
المنفعة المعقود عليها فاتت. قال ابن تيمية: «وأما إذا كانت الآفة مانعة من الزرع
فهنا لا أجرة عليه بلا نزاع».
وإن
نبت الزرع ثم جاءت آفة عامة أتلفته قبل التمكن من حصاده، كالبرد أو الجراد أو
الريح أو الغرق ونحو ذلك، ففي المسألة خلاف، لكن ابن تيمية رجّح أن الضمان يكون
على المؤجر، وتسقط الأجرة بقدر تعطل المنفعة؛ لأنه يرى أن المقصود من الإجارة هو
التمكن من الزرع إلى الحصاد. قال: «أظهرهما: أن يكون من ضمان المؤجر؛ لأن هذه
الآفة أتلفت المنفعة المقصودة بالعقد» وقال أيضًا: «إذا حصل للأرض ما يمنع هذه
المنفعة مطلقًا بطل المقصود بالعقد قبل التمكن من استيفائه».
أما
إذا تمكن المستأجر من الانتفاع، أو أمكنه الحصاد، ثم تلف الزرع بعد ذلك بسرقة أو
تقصير أو تأخير حصاد، فالأجرة لازمة عليه. قال ابن تيمية: «إذا تلف الزرع بعد تمكن
المستأجر من أخذه ... فهنا يجب على المستأجر الأجرة».
وكذلك
فرّق ابن تيمية بين الآفة العامة التي لا يمكن الاحتراز منها، وبين التلف الخاص
بمال المستأجر، فقال: «بخلاف ما إذا كانت الآفة مانعة من الانتفاع مطلقًا له
ولغيره؛ فإن هذا بمنزلة موت الدابة واحتراق الدار المؤجرة»، ثم مثّل للآفة العامة
بقوله: «وأما إذا جاء جيش عام فأفسد الزرع فهذه آفة سماوية».
وفي
المذهب المالكي جاء أن تلف الزرع بآفة من الأرض نفسها أو بالعطش الشامل يسقط
الكراء، قال الدردير: «إذا تلف الزرع بالآفة من أرضه... أو عطش... فلا يلزمه كراء
أصلا».
بينما
بعض الفقهاء من الشافعية وغيرهم يرون أن الجوائح التي تصيب الزرع لا تؤثر في عقد
الإجارة إذا كانت الأرض صالحة في نفسها، وإنما يكون التلف في ملك المستأجر، كما
قال الجويني: «ولو احترق زرع المستأجر بالصواعق، أو حطمه البرد، أو استأصله
الجراد، فلا أثر لما يجري في العقد، والإجارة قائمة، والأجرة ثابتة بكمالها».
ثانيًا:
التكييف الفقهي لدور الدولة والمؤسسات النقابية وقت الجوائح:
إعانة
المزارعين وقت الجوائح العامة ليست من باب التبرع أو الفضل المحض، بل هي حق واجب
على السلطة العامة استنادًا لسنن الخلفاء الراشدين ومقاصد الشريعة.
فقد
أسقط عمر بن الخطاب الزكاة والخراج عن المتضررين وقت القحط والآفة، وأمر بتموينهم
وإغاثتهم من خزينة الدولة العامة.
قال
الإمام الشاطبي في "الاعتصام" 2/123: «إِنَّ الإِمَامَ إِذَا خَلَتْ
الخَزِينَةُ أَوْ قَصُرَتْ عَنْ حَاجَاتِ الرَّعِيَّةِ وَجَبَ عَلَى المُسْلِمِينَ
المَعُونَةُ، وَإِذَا أَمْنَتْ المَالِيَّةُ وَوَفَرَتْ الرُّسُومُ وَالجِبَايَاتُ
فِي أَوْقَاتِ الرَّخَاءِ، وَجَبَ صَرْفُهَا فِي دَفْعِ المَفَاسِدِ وَجَبْرِ
الأَضْرَارِ العَامَّةِ عَنْ أَهْلِ الفِلاَحَةِ وَالتِّجَارَةِ عِنْدَ
الجَوَائِحِ».
دور
الصناديق التكافلية والنقابات الزراعية:
النقابات
والجمعيات الزراعية أُسست على أصل "التكافل والتعاون على البر والتقوى"؛
فالاشتراكات والرسوم التي تحصلها هذه الكيانات في سنوات الخصب يترتب عليها حكم
"التأمين التعاوني التكافلي"، بحيث تلتزم بشرع الله وولاء العقد بتغطية
المخاطر وتعويض المزارعين المتضررين من الجوائح لضمان استمرار الأمن الغذائي
وحماية المنتجين من الإفلاس.
القواعد
الفقهية الحاكمة في تحمل خسائر الجوائح
العامة:
قاعدة:
«الغُرْمُ بِالغُنْمِ»
الجهات
سواء الدولة أو النقابات التي تغنم الضرائب والرسوم والاشتراكات من المزارعين
أوقات الوفرة، يجب عليها شرعًا تحمل غُرْمِهم وتعويضهم وقت الجوائح والكساد.
قاعدة:
«الضَّرَرُ يُزَالُ» واستنادها لحديث: «لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ»
إجبار
المزارع على دفع كامل إيجار أرض احترق زرعها بآفة سماوية فيه إلحاق ضرر فادح به،
فيزال الضرر بحط الأجرة أو إقالة العقد.
قاعدة:
«تَصَرُّفُ الإِمَامِ عَلَى الرَّعِيَّةِ مَنُوطٌ بِالمَصْلَحَةِ»
الواجب
على ولي الأمر ومؤسسات الدولة تقديم الدعم والمساعدات المباشرة للمزارعين وتأجيل
الشروط العقدية المجحفة وقت الكوارث العامة تحقيقًا للمصلحة العامة وإقامةً
للتكافل.
قاعدة:
«المَشَقَّةُ تَجْلِبُ التَّيْسِيرَ»
الآفات
العامة والاستثنائية تُعدّ من أعذار التيسير الشرعي التي تقتضي إعادة التوازن
للعقود والالتزامات المالية لتجنيب العاقد العسر والربا والإفلاس. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: