أنا تاجر ملابس، اتفقت مع مصنع على توريد 1000 قطعة من معطف شتوي بمواصفات وجودة محددة، ودفعته له عربوناً بنسبة 10% على أن يكون البيع لاغياً والعربون للمصنع إذا لم أسدد باقي المبلغ في موعده، وعند التسليم تأخرت في السداد لظرف طارئ فصادر المصنع العربون ورفض تسليم البضاعة؛ فهل يجوز شرعاً "أكل مال العربون" عند الإخلال بالشرط؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تتطرق
هذه الفتوى لحكم عقد البيع بالعربون، وهو العقد الذي يدفع فيه المشترِي جزءًا من
الثمن للبائع على أنه إن تم البيع حُسب من الثمن، وإن نكص المشتري أو تأخر عن
السداد في الأجل المتفق عليه أصبح العربون حقاً للبائع دون مقابل. وتهدف الفتوى
إلى تبيين الحكم الشرعي لمصادرة هذا المبلغ عند الإخلال بالشروط ومجاوزة الأجل،
وتوضيح مدى مشروعية الشرط الجزائي المترتب عليه في الفقه الإسلامي بين التضييق
والتوسيع، مع الاستناد إلى أقوال المذاهب والقرارات الفقهية المعاصرة.
اختصارًا: اختلف
الفقهاء في حكم "بيع العربون" ومصادرته؛ فجمهور الفقهاء الحنفية،
والمالكية، والشافعية على عدم جوازه، وأن أخذ العربون عند عدم إتمام البيع أكلٌ
لمال الناس بالباطل. بينما ذهب الحنابلة وجمع من السلف إلى جوازه وصحة الشرط، وهو
ما أخذت به المجامع الفقهية المعاصرة بشروط.
الحكم
في حالة تأخر السداد لظرف طارئ:
وفق
القول بالجواز طبقًا لمذهب الحنابلة وقرار مجمع الفقه الإسلامي، يُشرع تملك البائع
للعربون إذا كان الإخلال بغير عذر شرعي طارئ، أما إذا كان التأخير لظرف طارئ خارج
عن الإرادة فالواجب شرعًا الإمهال والإنظار، أو فسخ العقد ورد العربون للمشتري دون
مصادرته، لأن الشرط الجزائي وسقوط العربون لا يُنفذ مع وجود العذر وعدم التفريط.
وتفصيلاً:
بيع
العربون هو أن يدفع المشتري للبائع مبلغًا مقدمًا عند الاتفاق على شراء سلعة، بحيث
إن تمّ البيع احتُسب هذا المبلغ من الثمن، وإن تراجع المشتري كان المبلغ للبائع.
وقد عرّفه الفقهاء بقولهم: "أن يشتري الرجل السلعة، ويدفع للبائع مبلغًا من
المال، على أنه إن أخذ السلعة يكون ذلك المبلغ محسوبًا من الثمن، وإن تركها
فالمبلغ للبائع"، ومن أمثلته: ما ورد في السؤال.
وينبغي
للمشتري ألّا يتحجج بالحكم الشرعي للإفلات من التزاماته إذا كان موسرًا قادرًا على
الدفع، وألا يكون اللجوء للحكم الشرعي فقط لأنه رأي أنه لا مصلحة له في إتمام
البيع، فيريد التراجع دون خسارة، وماذا لو كان البائع قد صرف العربون وأكثر منه في
تجهيز البضاعة له، وقد صنعها خصيصًا بناء على طلبه، وليس لها منفذ آخر لبيعها،
القاعدة الشرعية أنه لا ضرر ولا ضرار، وحتى لو حصل المشتري بحيلة ما على ماله،
فيبقى الحق في رقبته ديانة.
وقد
اختلف الفقهاء في حكم بيع العربون على قولين مشهورين:
جمهور
المالكية والشافعية والحنفية منعوه، واستدلوا بحديث: «أن النبي ﷺ نهى عن بيع
العربان» كما في سنن ابن ماجة، وأجازه الإمام أحمد وطائفة من السلف، ونُقل الجواز
عن عمر وابن عمر وابن سيرين وسعيد بن المسيب وغيرهم، وعلّلوا ذلك بأن الحديث
الوارد في النهي ضعيف؛ فقد قيل فيه: "هذا الحديث ضعيف"، واستدلوا بما
روي عن نافع بن عبد الحارث أنه "اشترى لعمر دار السجن من صفوان بن أمية، فإن
رضي عمر كان البيع نافذًا، وإن لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم".
وقد
صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي بجوازه بضوابط، ونص القرار على: "يجوز بيع
العربون إذا قيدت فترة الانتظار بزمن محدود، ويحتسب العربون جزءًا من الثمن إذا تم
الشراء، ويكون من حق البائع إذا عدل المشتري عن الشراء"، كما بيّن المجمع أن
بيع العربون يجري في البيع والإجارة؛ لأن الإجارة "بيع المنافع".
ومن
المعاصرين (د. خالد بن علي المشيقح عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم) من رجّح
الجواز للحاجة والمصلحة، خاصة إذا كان في العربون تعويض للبائع عن تعطيل السلعة
وحجزها للمشتري.
لكن
توجد استثناءات مهمة؛ فقد نص قرار المجمع على أنه لا يجري في بعض المعاملات التي
يشترط فيها القبض الفوري، مثل الصرف وبيع الذهب بالفضة ونحو ذلك.
لذلك
فالمسألة من مسائل الخلاف الفقهي المعتبر، والجواز هو قول قوي عند الحنابلة وكثير
من المعاصرين، بينما المنع هو مذهب جمهور الفقهاء، وينبغي مراعاة تفاصيل العقد
والعرف والأنظمة المعمول بها.
ولكن
ينبغي مراعاة حال المشتري، فالفقهاء المعاصرون ومنهم هيئات الفتوى وشيوخ الفقه
المعاصر يرون أنه إذا كان التأخير في السداد ناتجًا عن عذر قهري أو ظرف طارئ خارج
عن إرادة المشتري، فينبغي للبائع ـ إذا كان بإمكانه دون ضرر يلحق به ـ عدم مصادرة
العربون؛ لأن الشرط الجزائي أو مصادرة العربون تعويض عن النكوص والامتناع المتعمد،
أما المعذور فيُرفع عنه المؤاخذة والضرر لقوله تعالى: {وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ
فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيْسَرَةٍ} [البقرة: 280].
القواعد
الفقهية الحاكمة في عقد البيع بالعربون:
قاعدة:
المسلمون عند شروطهم إلا شرطًا حرم حلالاً أو أحل حرامًا
تُستعمل
هذه القاعدة لبيان أصل صحة الشروط المقترنة بالعقود ومنها شرط استحقاق العربون عند
عدم الوفاء.
قاعدة:
لا ضرر ولا ضرار
تقتضي
عدم إلحاق الضرر بالبائع نتيجة تعطيل بضاعته، وفي المقابل عدم إلحاق الضرر
بالمشتري بمصادرة ماله إذا كان له عذر شرعي طارئ.
قاعدة:
المشقة تجلب التيسير
تنطبق
على المشتري الذي طرأ عليه عذر قهري تسبب في تأخير السداد، مما يستوجب مراعاته
وإمهاله وعدم التعسف معه بمصادرة ماله.
قاعدة:
الأصل في الأموال الحرمة، إلا بطيب نفس
المأخوذة
من قوله ﷺ: «لا يحل مال
امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه». وتُستخدم عند جمهور الفقهاء في الاستدلال على عدم
جواز أخذ مال المشتري دون مقابل متى ما تم فسخ العقد. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: