<p>أريد الاستفسار عن ظاهرة انتشرت بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يقوم بعض الأشخاص بتصوير رجل وامرأة في وضع محرم أو في حالة معصية، ثم ينشرون المقطع على تيك توك وإنستغرام وفيسبوك، وأحيانًا يذكرون أسماءهم ومكانهم وعائلاتهم، فيشاهده مئات الآلاف أو الملايين. ما الحكم الشرعي فيمن يمسك هاتفه ويتعمد تصوير شخص في معصية أو في موقف خاص، ثم ينشره ويفضحه أمام الناس؟ وهل يختلف الحكم إذا كان المصوِّر زوجًا يصور زوجته، أو زوجة تصور زوجها، أو أخًا يصور أخته، أو أبًا يصور ابنه؟</p><p> هل مجرد رؤية المعصية تبيح التجسس والتصوير والنشر بحجة إنكار المنكر، أم أن ذلك يدخل في تتبع العورات وهتك الستر والتشهير وإشاعة الفاحشة؟ وإذا كان الشخص قد ارتكب ذنبًا، فهل يجوز أن تمتد آثار التشهير إلى والديه وأبنائه وإخوته وأخواته وأقاربه، وهم لم يرتكبوا شيئًا؟ ومن يتحمل إثم الأذى والضرر الذي يلحق بهم؟ وماذا لو كان التصوير يكشف جريمة حقيقية؟ هل يجوز نشرها للعامة، أم يجب رفعها للجهات المختصة دون التشهير بأصحابها؟</p><p> وأخيرًا، إذا كان الهدف من التصوير والنشر هو المشاهدات والانتشار، حتى أصبح الأمر أشبه بالمنافسة على فضح الناس، فهل يكون من يفعل ذلك آثمًا أمام الله، أم يُعدّ مأجورًا لمجرد أنه كشف معصية؟ وما الضوابط الشرعية الدقيقة للتصوير والنشر في مثل هذه الحالات؟</p>
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تتناول
هذه النازلة سلوكًا خطيرًا تفاقم مع انتشار منصات التواصل الاجتماعي، وهو تعمد
تصوير الناس في حالات المعصية أو المواقف الخاصة ونشرها للعامة، وتتبع عوراتهم
والتشهير بهم وبأسرهم؛ حيث تتصادم هذه التصرفات مع مقاصد الشريعة الإسلامية في
صيانة الأعراض، ووجوب الستر، وتحريم التجسس، وتعدي الأذى للأبرياء، ومنع إشاعة
الفاحشة في المجتمع.
اختصارًا:
التصوير
والنشر للعامة محرم أشد التحريم، وهو من كبائر الذنوب والجرائم الأخلاقية؛ لمَا
فيه من التجسس، وتتبع العورات، وهتك الستر، وإشاعة الفاحشة، والتشهير بالمسلمين.
ولا
يبيح عقد الزوجية ولا القرابة التشهير أو النشر للعامة؛ بل ينضاف إلى ذلك إثم قطع
الرحم، وإفشاء أسرار البيوت، والاعتداء على المعاشرة بالمعروف.
وادعاء
إنكار المنكر بالتجسس والتصوير دعوى باطلة ومحرمة؛ لأن المنكر المستتر يُستر
ويُنكر بضوابطه دون تجسس أو هتك، وإزالة المنكر بإنشاء منكر أكبر منه بإشاعة
الفاحشة محرمة إجماعًا.
ويستثنى
منه فضح ذوي النفوذ الذين يتسترون بنفوذهم على جرائمهم، ولا يتوصل إلى محاسبتهم
بالقضاء ولا غيره، فيمكن الاستعانة بقوة المجتمع على ردعهم والتخلص من شرورهم.
أما
إيذاء الأقارب والأسر فإثم عظيم يقع على عاتق المصور والناشر؛ لظلم أناس أبرياء
قال الله تعالى فيهم: «وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ».
أما
توثيق الجرائم الحقيقية فإذا وجد توثيق لكشف جريمة متعدية للغير، فالواجب الشرعي
يقتضي رفعه فورًا للجهات المختصة سرًّا، ويحرم تمامًا نشره للعامة أو على مواقع
التواصل، إن لم يكن يعلم أن نشره يساعد على محاسبة المجرم.
أما
إذا كان الهدف جمع المشاهدات والانتشار وتحقيق الأرباح فبئس الهدف، وهو يضاعف
الإثم والوزر، ويكون فاعله آثماً، متحملاً لوزره ووزر كل من شاهد أو أعاد نشره.
ولا
يخفى أن هذا حكم عام يشمل الكثير من الوقائع، وقد يباح في بعض المواقف ما لا يباح
في غيرها بشروطه، فلكل حادثة ملابساتها التي قد تغير مسار الفتوى بناء على تغير
المآلات.
بلغني
ذات مرة عن زوجة تدنس فراش زوجها، فلما طلقها طالبه أهله بما يعجز عنه من مؤخر
الصداق والتعويض، ولولا أنه كان يملك دليلاً على خيانتها ما تنازل أهلها خوف
الفضيحة، هذا فقط للمثال وللتأكيد على أن لكل حادثة حكمها الخاص الذي قد لا ينسحب
على غيرها من الحوادث.
وتفصيلاً:
النصوص
الشرعية ذات الصلة:
قال
الله تعالى: «وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا
اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا» [الأحزاب: 58].
وقال
الله تعالى: «إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ
آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ» [النور: 19].
وروى
أبو داود والترمذي عن أبي برزة الأسلمي رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: «يَا
مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ، لاَ
تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلاَ تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ، فَإِنَّهُ مَنْ
تَتَبَّعَ عَوْرَةَ أَخِيهِ الْمُسْلِمِ تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ
تَتَبَّعَ اللَّهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ».
موقف
الفقهاء المتقدمين من نشر الجرائم على العلن:
ذكر
الإمام الغزالي في إحياء علوم الدين أن شرط إنكار المنكر ألا يكون متوصلاً إليه
بالتجسس؛ فإذا ستر الله عبدًا بمعصية في بيته، لم يجز لأحد أن يهتك ستره أو يتجسس
عليه لإظهار المنكر؛ لأن التجسس محرم بنص القرآن، والواجب الشرعي هو الستر.
وذكر
الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى أن الشخص إذا رأى منكرًا وكان مستورًا، فليس له
أن يعلنه أو يشهر به، بل يسعى في ستره والوعظ فيما بينه وبينه؛ لأن إظهار الفواحش
يؤذي المجتمع وينشر الشر.
وأكد
المعنى الإمام ابن حجر العسقلاني في فتح الباري فقرر أن الاستتار بالمعصية واجب
على العبد، ولكن إذا أخطأ فليس للناس تتبع عثراته أو التشهير به وبأهله، وأن
العقوبة الشرعية مقدرة وليس منها التشهير المجرد الذي يتعدى أذاه للأبرياء.
موقف
هيئات الإفتاء والمجامع المعاصرة من نشر الجرائم على العلن:
وتنص
الفتاوى الصادرة عن هيئات الإفتاء الرسمية والمجامع الفقهية المعاصرة على أن تصوير
الأشخاص دون إذنهم في حالات المعصية أو الخصوصية ونشر مقاطعهم على منصات التواصل
يُعد جريمة شرعية وقانونية تتجمع فيها مفاسد التجسس وهتك الستر والتشهير وإشاعة
الفاحشة، وأن التذرع بإنكار المنكر باطل لا يرفع الإثم. كما تشدد على أن كشف
الجرائم واجبه الإبلاغ لدى السلطات القضائية لمنع الضرر المتعدي، ويحرم حرمة قاطعة
نشره للكافة.
القواعد
الفقهية الحاكمة في نشر الجرائم على العلن:
«درء
المفاسد مقدم على جلب المصالح»: مفسدة هتك الستر وإشاعة
الفاحشة والتشهير بالمسلمين وأسرهم أشد وأعظم بكثير من مصلحة زجر العاصي علنًا.
«لا
ضرر ولا ضرار»: في التصوير والتشهير إضرار محقق بالمصوَّر
وبأسرته وأبنائه الأبرياء الذين لم يقترفوا إثمًا.
«الوسائل
لها أحكام المقاصد»: التوسل بالتجسس والتصوير المحرم
لإنكار المنكر وسيلة محرمة تجعل الفعل كله محرمًا؛ إذ لا يُتوصل إلى الطاعة
بالمعصية.
«الجناية
شخصية / وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ»: لا يجوز
شرعًا أن تمتد آثار المعصية للتشهير بالأقارب والوالدين والأبناء، ومن تسبب في
إيذائهم بالتشهير تحمل إثم أذاهم كاملاً أمام الله. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
محاكم التواصل الاجتماعي بين الستر الواجب وحفظ الحقوق