<p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أنا رجل متزوج وأب لثلاثة أطفال في مراحل تعليمية مختلفة، وأتحمل كفالة والدتي الطاعنة في السن. بسبب ظروف معيشية صعبة وتراكم ديون أثقلت كاهلي، اضطررت للعمل في وظيفتين يمتد وقتهما لأكثر من 15 ساعة متواصلة، بين عمل بدني مجهد ومواصلات طويلة وشاقة</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt; font-family:"Simplified Arabic",serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أعود إلى بيتي في نهاية اليوم منهك القوى جسديا وذهنيا، ولا أجد في يومي أي متسع من الوقت أو الطاقة للقيام بالسنن والنوافل؛ فلا أستطيع صلاة الضحى، ولا قيام الليل، ولا قراءة وردي اليومي من القرآن الكريم. بل إنني أحيانًا أصارع الوقت والتعب الشديد لأداء الصلوات الخمس المكتوبة في أوقاتها بالكاد</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">يقتلني الشعور بالذنب والتقصير وأخشى أن أكون ممن حرم بركة الطاعة</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif"><o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">فهل علي إثم شرعي أو مؤاخذة بسبب اقتصاري على أداء الفرائض فقط وتفريطي في النوافل وقراءة القرآن تحت هذه الظروف؟<o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">وكيف أحقق البركة في وقتي، وما الأذكار أو الطاعات الخفيفة التي يمكنني القيام بها دون أن تتطلب وقتًا أو جهدًا إضافيا؟</span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt; font-family:"Simplified Arabic",serif"><o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;line-height:107%;font-family: "Simplified Arabic",serif;mso-fareast-font-family:Calibri;mso-fareast-theme-font: minor-latin;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language:EN-US;mso-bidi-language: AR-SA">وجزاكم الله خيرًا.</span></p>
مرحبًا
بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يفرِّج همك،
ويقضي دينك، ويبارك لك في جهدك ووقتك، وأن يرزقك من حيث لا تحتسب، ويجزيك خير
الجزاء عن أهل بيتك ووالدتك، وبعد...
فإن
الشريعة الإسلامية جاءت باليُسر والرحمة، وراعت طاقة الإنسان وظروفه المعيشية، ولم
تجعل العبادة محصورةً في أداء الركعات وتلاوة الآيات فحسب، بل وسعت مفهوم العبادة
ليشمل كل عمل صالح يُبتغَى به وجه الله. وعملك الشاق وسعيك لتأمين القوت الحلال
لأسرتك وبر والدتك، هو في ذاته عبادة جليلة وجهاد مبارك لا يقل أجرًا عن كثير من
النوافل.
حُكم
الاقتصار على الفرائض
لا
إثم عليك -أخي الكريم- في اقتصارك على أداء الصلوات الخمس المكتوبة، وتركك لسنن
الضحى وقيام الليل وورد القرآن بسبب هذه الظروف الشاقة. فالسُّنن والنوافل يثيب
الله فاعلها ولا يعاقب تاركها، ولا سيما إذا كان الترك بسبب العجز والمشقة القاهرة. والله
-تعالى- يقول: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]،
ويقول جل وعلا: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]. والله
-سبحانه- يعلم ضعف الجسد ومشقة الكسب، ولم يجعل علينا في الدين حرجًا.
ومراعاة
لأصحاب الأعذار من المرضى والساعين على قوت أهلهم، أنزل الله -تعالى- في أواخر
سورة المزمل تخفيفًا عظيمًا في قيام الليل وقراءة القرآن لمن يخرجون للعمل والكسب،
فقال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيِ
اللَّيْلِ وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ وَاللَّهُ
يُقَدِّرُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ
فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ
مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ
وَآخَرُونَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾
[المزمل: 20]. فانظر كيف قرن الله تعالى بين الساعين في الأرض لابتغاء رزقه الحلال
وبين المجاهدين في سبيله، وجعل سعيهم سببًا جليًّا للتخفيف في العبادة المستحبة!
وقد
جاء رجل إلى النبي ﷺ يسأله عن الإسلام، فذكر له الصلوات الخمس، فقال الرجل: هل
عليَّ غيرها؟ قال: «لا، إِلا أَنْ تَطَوَّعَ»، فلما أدبر الرجل وهو يقول: والله لا
أزيد على هذا ولا أنقص، قال رسول الله ﷺ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» [متفق عليه].
ورأى
أصحاب النبي ﷺ شابًّا نشيطًا يسعى في كسب رزقه، فقالوا: لو كان هذا في سبيل الله!
فرد عليهم النبي ﷺ بضبط المفاهيم قائلًا: «إِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى
وَلَدِهِ صِغَارًا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ خَرَجَ يَسْعَى عَلَى
أَبَوَيْنِ شَيْخَيْنِ كَبِيرَيْنِ فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَ
خَرَجَ يَسْعَى عَلَى نَفْسِهِ يَعِفُّهَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» [رواه
الطبراني].
وسائل
لتحقيق البركة في الوقت
إن
البركة تتحقق بالتوفيق الإلهي في الساعات القليلة. ولكي تتنزَّل البركة في وقتك
ورزقك، عليك بهذه المفاتيح العملية:
1-
تحويل العادات إلى عبادات: اجعل نيتك في ذهابك للعمل، ونومك،
وأكلك، وسعيك، أن تعف نفسك وعيالك، وتبر والدتك، وتقضي دينك. قال الصحابي الجليل
معاذ بن جبل رضي الله عنه: «أمَّا أنا فأقومُ وأنامُ، وأرجو في نَومَتي ما أرجو في
قَومَتي» [رواه البخاري]. حينها يصبح تعبك في العمل ونومك عبادة في ميزانك.
2-
طلب الدعاء من والدتك: وجود والدتك عندك هو أعظم أبواب الرزق
والبركة. قال رسول الله ﷺ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ،
وَيُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» [متفق عليه]. فسل والدتك
الدعاء لك صباحًا ومساءً، مع إرضائها وتقبيل يدها، فدعاء الوالدة مجاب ورضاها يفتح
لك أبواب الخير.
3-
الدعاء بسداد الدين والبركة: فعن عليّ رضي الله عنه أن
رجلًا جاءه يطلب المساعدة في قضاء دين عليه، فقال له: ألا أعلمك كلمات علمنيهن
رسول الله ﷺ، لو كان عليك مثل جبل صِيرٍ دينًا أداه الله عنك؟ قال: «اللَّهُمَّ
اكْفِنِي بِحَلَالِكَ عَنْ حَرَامِكَ، وَأَغْنِنِي بِفَضْلِكَ عَمَّنْ سِوَاكَ»
[رواه الترمذي].
طاعات
لا تتطلب وقتًا ولا جهدًا إضافيًّا
يمكنك
-يا أخي- الاستفادة من «الوقت الضائع» في المواصلات والانتظار والعمل البدني الذي
لا يحتاج إلى تركيز ذهني، بأعمال يمنحك الله بها أجورًا عظيمة دون أن تجد لها
تعبًا ودون أن تخصص لها وقتها، ومنها: الذِّكر
بأنواعه، تهليلًا وتسبيحًا وتكبيرًا وتحميدًا، واستغفارًا، وصلاة على النبي ﷺ، مع
الحفاظ على أذكار الصباح والمساء والأحوال. وقد قال ﷺ: «كَلِمَتَانِ خَفِيفَتَانِ
عَلَى اللِّسَانِ، ثَقِيلَتَانِ فِي الْمِيزَانِ، حَبِيبَتَانِ إِلَى الرَّحْمَنِ:
سُبْحَانَ اللَّهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللَّهِ الْعَظِيمِ» [متفق عليه]. وقال
ﷺ لمن سأله عملًا يتشبث به: «لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ»
[رواه الترمذي].
ومن
ذلك أيضًا الاستماع إلى القرآن الكريم إن كنت لا تستطيع القراءة من مصحف أو من
حفظك. ضع سماعات في أذنك واستمع بقلب خاشع متدبر. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ
الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف:
204]؛ فالاستماع المقترن بالتدبر له من الأجر والتأثير والنور والشفاء ما يُغني في
حال العجز عن القراءة.
ومن ذلك أيضًا صيام النافلة، كصيام يومَي الاثنين
والخميس، إن استطعت، فهي سُنة عظيمة وعبادة جليلة، تنال بها الأجر العظيم من الله
عز وجل.
ولا تحرم نفسك من ركعة وتر تصليها
خاشعًا قبل أن تنام، لا تتجاوز دقائق؛ وادعُ الله فيها بالعون والقبول، فلعلها
تكون أفضل عند الله من قيام ليلة كاملة.
وختامًا
أخي الفاضل، اطرح عن كاهلك الشعور بالذنب، واستبدل به الاحتساب. فأنت في جهاد، وكل
جهد تبذله في سبيل إطعام أطفالك وبر والدتك وقضاء دينك هو في ميزان حسناتك وتكفير
لسيئاتك بإذن الله.
أسأل
الله أن يربط على قلبك، وأن يسبغ عليك الصحة والعافية، وأن يقضي عنك دينك، وأن
يرزقك من حيث لا تحتسب، وأن يقر عينك برضا والدتك وصلاح أبنائك، وصلِّ اللهم
وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
مشغول عن النوافل بتحصيل الرزق.. بشريات وحلول
مقصِّر تجاه القرآن والنوافل بسبب الإرهاق... فما الحل؟
كيف أحرص على صلاة النوافل وأواظب عليها؟