كيف نوازن في تربية المهتدي الجديد بين الرفق والحفاظ على دينه؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">أنا رجل في السابعة والثلاثين من عمري، أعمل مديرًا لمركز إسلامي ثقافي يُعنى بالتعريف بالإسلام ورعاية المهتدين الجدد في إحدى العواصم الأوروبية. أتوجه إليكم بهذه الاستشارة لوجود انحراف منهجي وتطبيقي خطير بدأنا نرصده بوضوح في مسار بعض الداخلين الجدد في الإسلام بالمركز.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">المشكلة تكمن في وجود قصور حاد في فهم وضبط ما يسمى بـ "دعوة العلاقات الإنسانية والاندماج"؛ فحين يُسلم الشخص القادم من خلفية غربية منفتحة تماماً، نبالغ في المركز بحجة "الرفق والتيسير وجذبه للدين" في غض الطرف عن استمراره في ممارسة نمط حياته السلوكي والاجتماعي القديم المختلط، كحضور الحفلات العائلية التي تُدار فيها المحرمات، أو الإبقاء على علاقات وصداقات حميمية غير منضبطة شرعًا مع الجنس الآخر، أو التهاون في أحكام الهوية العقدية (الولاء والبراء الشرعي). <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">للأسف، هذا التمييع التربوي أدّى بالعديد من المهتدين الجدد بعد أشهر إلى الوقوع في "فخ الذوبان العقدي والارتداد السلوكي الفعلي"؛ حيث أصبح إسلامهم مجرد شعار رقيق لا يغير من واقعهم شيئًا، وانتهى بهم الأمر للعودة الكاملة لثقافتهم القديمة لعدم وجود حدود فاصلة واضحة.. كيف نوازن في تربية المهتدي الجديد بين فقه الرفق والتدرج في الأحكام، وبين الحفاظ الصارم على تميز الهوية العقدية والسلوكية للإسلام دون تمييع أو ذوبان؟<o:p></o:p></span></p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيها الأخ الفاضل والمدير المسدد، وجزاك الله خيرًا على حرصك وحمايتك لثغور الهداية؛ فإنَّ رصد هذا الانحراف التربوي المتمثل في "تمييع الهوية بحجة التيسير" هو واجب منهجي غاية في الأهمية، واعلم أن رعاية المهتدين الجدد تحتاج إلى حكمة بالغة تجمع بين "رحمة التدرج" و"أصالة التميز"؛ فالإسلام جاء ليغير الإنسان ويصلح سلوكه وصياغة هويته، ولم يأتِ ليذوب في الأنماط الجاهلية السائدة.

 

إنَّ المنهج النبوي الشريف في بناء عقائد وسلوكيات المهتدين الجدد قام على أصلين متلازمين لا ينفكان: "التدرج بالرفق في التشريعات والتكاليف البدنية"، ومعه "الحسم والوضوح التام في مقتضيات التوحيد والتميز الأخلاقي والعقدي"؛ وتأمل وصية النبي ﷺ لوفد ثقيف حين جاءوا يعلنون إسلامهم واشترطوا شروطًا فيها تهاون ببعض الواجبات السلوكية، فتدرج معهم في الصدقة والجهاد ولكنه حسم بوضوح أصل التوحيد وترك الأوثان والزنا؛ وحين بايعه النساء والرجال، كانت البيعة تنص بوضوح حاسم على ترك الكبائر الأخلاقية والعقدية: ﴿عَلَى أَن لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ [الممتحنة: 12].

 

فالخطاب الدعوي الذي يظن أن إبقاء المهتدي الجديد في مستنقع البيئات السلوكية المحرمة هو من باب الرفق، يقع في جهل حاد بطبيعة النفس البشرية؛ فالإيمان طاقة نقية تحتاج لبيئة صالحة طاهرة لتنمو وتثمر، وبقاء العبد في بيئات التلوث الأخلاقي يطفئ جذوة الإيمان في قلبه بسرعة ويعيده لمربعه الأول، والله تعالى يأمرنا بالتميز والحذر من الذوبان في قوله: ﴿وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتَنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾ [المائدة: 49].

 

إنَّ التوازن المطلوب يفرض على الدعاة والمربين الانتقال من عقلية "السكوت والمجاملة التربوية" إلى مربع "المرافقة الحكيمة المتدرجة وبناء البديل الصالح"؛ فيجب أن يفهم المهتدي الجديد منذ الأيام الأولى أن للإسلام حدودًا وشعائر وأخلاقًا تصنع كرامته وتميزه، وأن الرفق يعني أننا نأخذ بيده خطوة بخطوة في التعلم والحفظ والتطبيق، ولكنه لا يعني أبدًا إقرار المحرمات أو تبرير البقاء في سبل الغواية؛ مع ضرورة أن يوفر المركز الحاضنة والبيئة الاجتماعية البديلة الدافئة التي تغنيه عاطفيًّا واجتماعيًّا عن بيئاته القديمة الملوثة.

ومن الناحية التطبيقية والعملية لضبط هذا المسار في مركزكم، نوصي بتفعيل الخطوات التالية:

 

أولاً: صياغة "وثيقة المنهج التربوي التأسيسي للمهتدين الجدد" تعتمد على تقسيم الرعاية إلى مراحل زمنية محددة؛ المرحلة الأولى (الأشهر الثلاثة الأولى): تركيز كامل على تصحيح العقيدة وبناء التوحيد ومحبة الله، مع الحسم بضرورة الابتعاد الفوري والكامل عن الكبائر السلوكية المفسدة للإيمان (كالخمر والزنا والبيئات الماجنة).

 

ثانيًا: تفعيل (برنامج الاحتواء والبديل الاجتماعي المستعجل)؛ من خلال تنظيم أنشطة، ورحلات، ومناسبات اجتماعية دورية بالمركز تجمع المهتدين الجدد بالأسر المسلمة الصالحة المستقرة والمؤهلة ثقافياً، ليعيش المهتدي حياة اجتماعية ممتعة وبديلة في ظلال من العفة والنقاء.

 

ثالثًا: تدريب دعاة ومستشاري المركز على مهارات "الإرشاد السلوكي المتدرج الحاسم"؛ ليتعلموا كيف يوجهون المهتدي بأسلوب يفيض بالحب والرحمة والشفقة، ولكنه يضع حدودًا شرعية واضحة وصارمة تحمي إيمانه وهويته من التمييع.

 

وأنصحك ختامًا بما يأتي:

 

• اجعل خطابك مع المهتدين الجدد قائمًا على "تعظيم الله وبيان حكمة وجمال تشريعاته وأوامره الأخلاقية"، فإذا عظم الخالق في قلوبهم سارعت نفوسهم لترك المحرمات والانقياد للحق طواعية.

 

• تعامل مع حالات الضعف أو الهفوات العارضة التي قد يقع فيها المهتدي بالستر، والرفق، والأخذ باليد، وفتح باب الأمل، وتجنب أساليب الطرد أو التكفير السريع لئلا تدفعه للشيطان.

 

• ركز على تعليمهم فقه "التعامل الحكيم مع الأهل غير المسلمين"؛ ببرهم والإحسان إليهم بالمعروف، مع الثبات الصارم والرفيق على عدم مشاركتهم في أي شعائر أو سلوكيات محرمة تخدش هويته الإسلامية.

 

وأسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يحفظك ويمدك بعونه وسداده، وأن يجعل مركزكم حصنًا منيعًا لحماية وتثبيت المهتدين الجدد، ويرزقكم الحكمة في الدعوة، والإخلاص في القول والعمل.

 

روابط ذات صلة:

مركز استقبال المهتدين الجدد.. دعم نفسي وعملي

التيسير مع المهتدين الجدد.. حدود المراعاة وضوابط التدرج