<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 0cm; text-align: justify; line-height: normal; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-family: "Simplified Arabic", serif; font-size: 14pt;">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 0cm; text-align: justify; line-height: normal; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-family: "Simplified Arabic", serif; font-size: 14pt;">أنا شاب في الخامسة والعشرين من عمري، أعمل مهندسًا كيميائيًّا، ومتطوع في تنظيم الأنشطة الشبابية ببلدتي الإقليمية النائية. أتوجه إليكم بهذه الاستشارة ناقلاً همًّا كبيرًا تعيشه فئة الشباب في بيئتنا المحيطة، وهو غياب وفقر "فقه الأولويات والواقع" في الخطاب الدعوي الموجه إلينا من بعض الدعاة والمشايخ الزائرين.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 0cm; text-align: justify; line-height: normal; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-family: "Simplified Arabic", serif; font-size: 14pt;">إن بلدتنا تعاني من أزمات معيشية طاحنة، ونسب بطالة مرتفعة جدًّا بين الخريجين، وانتشار لحالات الإحباط واليأس، والاندفاع نحو سبل الهجرة غير الشرعية والمخاطرة بالأرواح.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 0cm; text-align: justify; line-height: normal; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-family: "Simplified Arabic", serif; font-size: 14pt;">المشكلة الكبرى هي أن بعض الدعاة حين يأتون إلينا لإلقاء المحاضرات، يغرقون في طرح قضايا تتسم بـ "الترف الفكري والجدل التاريخي العقدي الدقيق" (كخلافات المدارس الكلامية القديمة، أو تتبع زلات بعض المنتسبين للعلم)، أو يقتصرون على وعظ عام يطالبنا بالزهد التام وترك الدنيا؛ فيشعر الشباب بانفصال تام وصارخ بين لغة الداعية وبين واقعهم اليومي المرير المليء بالبحث عن لقمة العيش الكريمة، مما يولد لديهم نفورًا من مجالس الدين واعتبارها بيئات تخديرية لا تقدم حلولاً لواقعهم.<o:p></o:p></span></p><p></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom: 0cm; text-align: justify; line-height: normal; direction: rtl; unicode-bidi: embed;"><span lang="AR-SA" style="font-family: "Simplified Arabic", serif; font-size: 14pt;">كيف يمكن توجيه التخطيط الدعوي لإعادة صياغة الخطاب الموجه للشباب ليكون ملامسًا لاحتياجاتهم الواقعية والمادية، ويجمع بين التزكية الإيمانية وبناء الأمل والحث على الكسب والتنمية الذاتية والمجتمعية؟</span></p>
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياك الله وبياك أيها الأخ الحبيب والمهندس المبارك، وجزاك
الله خيرًا على نقل هذا الهمّ الصادق والوعي الميداني الرفيع بطبيعة الأزمات التي
تعصف بالشباب؛ فإن تشخيصك لظاهرة "الترف الفكري والوعظ المنفصل عن
الواقع" يكشف عن حاجة ماسة إلى مراجعة وتطوير بوصلة الخطاب الدعوي، ليكون كما
أراده الله سبحانه عونًا للناس في شؤون دينهم ودنياهم.
إن الشريعة
الإسلامية المطهرة قامت على رعاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ولم تكن يومًا
منهجًا ينعزل عن هموم الناس وآلامهم المادية والمعيشية؛ وتأمل السيرة النبوية
الرائدة تجد أن النبي ﷺ كان يسعى لتأمين حياة الناس الاقتصادية والاجتماعية
بالتوازي مع بناء عقائدهم وعباداتهم؛ فحين قدم المدينة المنورة، لم يكتفِ ببناء
المسجد لتأسيس الروح، بل سارع فورًا إلى "تأسيس سوق المسلمين" لتمكين
الشباب اقتصاديًّا وكسر الاحتكار، وكان يمر بالشباب ويحثهم على العمل ويقول: «لأَنْ
يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ، فَيَأْتِيَ بِحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ،
فَيَبِيعَهَا، فَيَكُفَّ اللَّهُ بِهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ
النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ» [رواه البخاري]؛ بل إن القرآن الكريم
يربط بين الأمن المعيشي والعبادة في قوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا
الْبَيْتِ * الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ﴾ [قريش:
3-4].
فالخطاب الدعوي
الرشيد هو الذي يتفهم أن الجوع، والبطالة، واليأس هي ثغرات خطيرة للشيطان تضعف
الإيمان وتدفع نحو التفلت؛ وإن إغراق الشباب في معارك تاريخية أو جدليات كلامية في
وقت يبحثون فيه عن أمل وسبيل للعيش الكريم هو سوء تدبير واختلال عظيم في فقه
الأولويات الدعوية.
إن الواجب
المنهجي والتخطيطي يفرض على الدعاة والمؤسسات الانتقال من عقلية "الوعظ
التجريدي المنفصل" إلى مربع "الدعوة التنموية الشاملة والتأهيل
الذاتي". يجب أن يتحول المنبر والمسجد في البيئات المحتاجة إلى مركز لبث
الأمل، والتحفيز على الإنتاج، وتقديم الحلول العملية الممكنة؛ فالإسلام لا يدعو
إلى الزهد العاجز، بل يدعو إلى عمارة الأرض بالحق والكرامة والاستعفاف؛ وحين يرى
الشباب أن الداعية يتفهم آلامهم، ويقدم لهم توجيهات شرعية تدعم كفاحهم اليومي
وتعلمهم فقه الاستعفاف، والأمانة في التجارة، والصبر والمثابرة، والصناعة، فإنهم
سيقبلون على الدين باعتباره طاقة دافعة للنجاح والحياة، لا عبئًا فكريًّا زائدًا
عن الحاجة.
ومن الناحية
التطبيقية والعملية لتغيير هذا الواقع في بلدتكم، نقترح تبني الخطوات التالية؛
أولاً: التنسيق
مع الدعاة والمشايخ الزائرين مسبقًا من خلال "إطلاعهم على طبيعة وتحديات واقع
الشباب في البلدة"، واشتراط تركيز المحاضرات على موضوعات فقه الكسب الحلال،
وتطوير الذات، وبناء الأمل، ومواجهة اليأس، وفق أدلة الكتاب والسنة.
ثانيًا: تحويل
جزء من أنشطة الفريق التطوعي إلى "مبادرات تنموية وتدريبية تأهيلية
للشباب"، عبر عقد ورش عمل ميسرة (كالتدريب على مهارات الحرف المحلية، أو
أساسيات التجارة الإلكترونية، أو إدارة المشاريع الصغيرة) بالاستعانة بأهل الخبرة
من المتطوعين، ليكون المركز الدعوي مكاناً لبناء الدين والدنيا معًا.
ثالثًا: إطلاق
"صندوق للتكافل والإقراض الحسن الميسر للمشاريع الشبابية الناشئة"
بالتعاون مع رجال الخير في المنطقة؛ لدعم الخطاب الدعوي النظري ببديل عملي ملموس
ينتشل الشباب من رصيف البطالة ومخاطر الهجرة غير الشرعية.
وأنصحك
ختامًا بالآتي:
• لا تيأس من
عفوية بعض الدعاة، بل بادر بمحاورتهم برفق وأدب وبيّن لهم احتياجات زملائك من
الشباب، واطلب منهم بلطف التركيز على فقه الحياة والعمل والأمل.
• تحول أنت
ورفاقك في الفريق إلى نماذج عملية للجمع بين الالتزام الديني والتميز المهني
والعملي الكفاحي، فدعوة الحال أبلغ بكثير من دعوة المقال.
• اجعل من
منصاتكم وتجمعاتكم الشبابية بيئات إيجابية لطرد الإحباط واليأس، ورسّخ في نفوس
أقرانك أن السعي في الأرض وطلب الرزق لإعفاف النفس هو من صميم العبادة والجهاد في
سبيل الله.
وأسأل الله
العظيم العلي الكبير أن يبارك في همتك وعملك، وأن يفتح لك ولشباب بلدتك أبواب
الرزق الحلال المبارك، وأن يملأ قلوبكم بالأمل واليقين، ويجعلكم بناة صالحين
مصلحين للأمة والمجتمع.
روابط ذات صلة:
كيف يجدد الداعية لغته لمخاطبة العقلية العلمية والمادية؟