هل يكون بارًّا من يرعى والده المسيء دون حُب؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">أمي توفيت من فترة، وبقى أبوي رجل كبير بالسن ومحتاج رعاية وخدمة. ورفض كل إخواني وخواتي تمامًا إنه يستقر عندهم أو يعيش معاهم، بسبب ماضيه القاسي معانا كلنا؛ كان بطفولتنا شديد الجفاء وسيئ بمعاملته لنا ولأمنا الله يرحمها، وسبب لنا أذى نفسي كبير أورث بقلوب إخواني جدار من الكراهية والقطيعة. وكنت أنا الوحيد بينهم اللي قبلت إنه يعيش معاي ببيتي</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">الحين أنا قايم بخدمته بنفسي، وأوفر له كل احتياجاته المعيشية والصحية، وأحرص أشد الحرص على الأدب معاه؛ فلا أرفع صوتي عليه، ولا أهينه، ولا أسمعه كلام يؤذيه، وأعامله أنا وزوجتي وأولادي بالمعروف والواجب. لكن المشكلة اللي مسببة لي ضيق شديد هي إني أقدم له هالرعاية تأدية للواجب وخوف من عقاب الله بس، وبدون ما أحس بقلبي بأي مشاعر حب أو عطف أو حنان تجاهه</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">أشوف قلبي بارد وجاف تمامًا من ناحيته بسبب ذكريات قسوته وإساءته القديمة اللي مو راضية تفارق بالي. حاولت مرارًا إني أستحضر الحب الطبيعي للأب، بس عجزت أتخلص من هالمشاعر الباردة</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">فهل علي إثم أو ذنب على هالجفاف العاطفي وغياب مشاعر الحب تجاه أبوي، دام إني باره بالظاهر وما أسيء له؟ <o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">وكيف أتعامل مع هالضيق والشعور بالذنب اللي يلاحقني بسبب هالمشاعر اللي مو قادر أتخلص منها؟</span></p>

مرحبًا بك أخي الفاضل، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يعظم أجرك، وأن يجبر كسرك، وأن يرفع درجاتك في عليين، وأن يتغمد والدتك بواسع رحمته ويسكنها فسيح جناته، وأن يرزقك البر والتقوى، ويصلح لك زوجك وذريتك، ويجعل بيتك عامرًا بالسكينة والطمأنينة، وبعد...

 

فإنَّ جمعك بين ألم الذكريات القاسية، وبين قيامك الكامل برعاية والدك الشيخ الكبير في الوقت الذي تخلى عنه فيه الجميع، دليل ساطع على معدنك الطيب وخشيتك الحقيقية من الله تعالى.

 

لا إثم ولا ذنب في المشاعر

 

أبشر يا أخي، وتيقن أنه لا إثم عليك ولا ذنب إطلاقًا في غياب مشاعر الحب أو الحنان القلبي تجاه والدك. فالشريعة الإسلامية شريعة عدل ورحمة، وهي لا تكلف الإنسان بما لا يملك، والقلوب والمشاعر ليست تحت السيطرة المباشرة للإرادة البشرية. قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. ومشاعر الحب والمودة تكون غالبًا ثمرة للإحسان واللين والمعاملة الطيبة، فإذا انعدمت في الطفولة بسبب القسوة والأذى، فمن الطبيعي ألا توجد في الكبر.

 

والله -جل وعلا- عندما أمر بالبر لم يشترط الحب القلبي والعاطفة ليكون البر مقبولًا؛ بل جعل البر سلوكًا وخلقًا يُترجم بالقول والفعل والكف عن الأذى. قال الله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: 8]، وقال سبحانه: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15]. فالأمر جاء بـ«الحُسن» و«المعروف»، وهما ينتجان أفعالًا، مثل: الإطعام، والرعاية، والأدب في الخطاب، والكف عن الإهانة، وهو تمامًا ما تقوم به أنت الآن مع والدك.

 

وقد ورد عن النبي ﷺ أنه كان يقسم بين زوجاته في الأمور الظاهرية (المبيت والنفقة) ثم يقول: «اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ، فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» [رواه أبو داود]. والمقصود بـ «مَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ» هو حركة القلب ومشاعر الحب. فإذا كان النبي ﷺ يعتذر إلى ربه عن ميل القلب القسري، فكيف يُلام الإنسان على جفاف قلبي سببه أذى وقسوة قديمة؟

 

برُّك أعظم أجرًا من بر المحب

 

إن البر الذي تقدمه أنت الآن لوالدك قد يكون أعظم أجرًا وأعلى درجة من بر من يحب والده بحكم الطبيعة! فالذي يبر والده المحبوب يبره بدافع الحب الفطري والميل القلبي، أما أنت، فتطأ على جراحك، وتغالب ذكرياتك المؤلمة، وتخدمه ابتغاء وجه الله فقط، فهذا هو عين جهاد النفس والإحسان المحض.

 

وروي أن رجلًا جاء يستشير عمر بن الخطاب رضي الله عنه في طلاق زوجته؛ لأنه لا يحبها، فقال له عمر كلمته الخالدة: «أَوَكُلُّ الْبُيُوتِ بُنِيَتْ عَلَى الْحُبِّ؟! فَأَيْنَ الرِّعَايَةُ وَالتَّذَمُّمُ؟!». و«التذمم» هو حفظ العهد، والوفاء بالحق، حتى وإن غابت المشاعر.

 

وعندما أسلم وحشي (قاتل حمزة بن عبد المطلب عم النبي ﷺ)، قبِل النبي ﷺ إسلامه وأعطاه حقوق المسلم كاملة، لكنه قال له: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُغَيِّبَ وَجْهَكَ عَنِّي؟» [رواه البخاري]. فلم يستطع النبي ﷺ أن يزيل ألم الفقد والذكريات المؤلمة من قلبه تجاه وحشي، ومع ذلك لم يظلمه ولم ينقصه حقًّا، وهذا دليل على أن المشاعر لا تعامَل بالأمر والنهي.

 

مقترحات للتعامل مع الضيق والشعور بالذنب

 

حتى تتخلص من هذا الثقل النفسي والشعور بالذنب الذي يلاحقك، إليك هذه الخطوات:

 

1- التوقف عن جلد الذات: اعلم أن الشعور بالذنب القادم من الجفاف العاطفي هو ذنب وهمي، يُدخل الشك إلى قلبك. فسامح نفسك، ولا تطالبها بمشاعر لم تُزرع فيها أصلًا. ويكفيك خوفك من الله وحرصك على عدم إهانة والدك.

 

2- فصل الماضي عن الحاضر: انظر إلى والدك اليوم بعين أخرى، فبالأمس كان رجلًا قويًّا، قادرًا، قادته قسوته وأخطاؤه إلى سلوك خاطئ. أما اليوم فهو شيخ كبير، ضعيف، عاجز، يحتاج من يحمله وينفق عليه. انظر إليه كإنسان ضعيف ومحتاج، وليس الأب القاسي الذي آذاكم في الماضي. فالرحمة بالضعيف أسهل على النفس من حب المسيء.

 

3- النية واحتساب الأجر: اجعل رعايتك له معاملة مباشرة مع الله عز وجل، لا معاملة مع والدك، فعندما تقدم له طعامًا أو دواء، قل في سرك: «يا رب، هذا لك، أفعله اتباعًا وطاعة لأمرك، وابتغاء مرضاتك». فهذا يخفف الأثر النفسي تمامًا، ويجعل كل شيء تقوم به مع والدك عبادة.

 

4- عدم تكلف المشاعر والأفعال: لا تتكلف العناق أو كلمات الشوق التي تخالف ما في قلبك كي لا تشعر بالنفاق، بل اكتفِ بالحد الشرعي الراقي، من السلام، والابتسام، والكلمة الطيبة، والسؤال عن صحته، وتلبية احتياجاته، والأدب والتحفظ في الخطاب دون جفاء صريح ولا عاطفة متكلَّفة.

 

5- الدعاء له: ادعُ لوالدك بالهداية وحسن الخاتمة، وادعُ لنفسك بسلامة الصدر. وقل في دعائك: ﴿رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: 24]. فحتى إن كانت تربيته لكم قاسية، فإن مجرد كونه سببًا في وجودك بالحياة يستوجب منك طلب الرحمة له.

 

وختامًا أخي الحبيب، إن ما تقوم به أنت وزوجتك الكريمة (والتي تستحق منك كل الشكر والتقدير على مشاركتها لك هذا العبء) هو تجسيد حي لقيم المروءة والإيمان الصادق. فإخوانك وأخواتك اختاروا القطيعة بناءً على ما كان الماضي، أما أنت فاخترت الإحسان بناءً على المستقبل، وأجرك عند الله.

 

طمئن قلبك، فأنت على خير عظيم، ولا تُنقص من قدرك ولا من برك برودة مشاعرك، ما دامت أفعالك تلتزم المصاحبة بالمعروف.

 

أسأل الله أن يفرج همك، ويزيل ضيقك، ويثبت قلبك على الطاعة، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

أخدم أبي الذي أكره.. فهل يعاقبني الله؟