أفلام الذكاء الاصطناعي الإباحية معفو عنها أم مشمولة بالحرمة؟

يدعي بعض الناس أن مشاهدة الأفلام الإباحية المصنوعة بالذكاء الصناعي مختلف عقلا ومنطقا عن الأفلام التي يقوم بها بشر طبيعيون، على اعتبار أن هذه الشخصيات لا وجود لها حقيقة، وليس لها  عرض يصان، أو أهل يتضررون بانتهاك حرماتهم، فهل شبهتهم هذه شبهة شرعية معتبرة أم فقط نوع من الجدل والشبهات التي لا أساس لها

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد

فأهلا وسهلا ومرحبا بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك أن الشريعة الإسلامية جاءت لحفظ الضرورات الخمس الدين، النفس، العقل، العرض، المال، ووضعت من التشريعات والزواجر ما يكفل صيانتها وسد الذرائع الموصلة لانتهاكها. ومع الطفرة التكنولوجية المعاصرة وظهور تقنيات الذكاء الاصطناعي، طفت على السطح نوازل فقهية تحتاج إلى نظر عميق لا يقف عند ظواهر الأشياء، بل ينفذ إلى عللها ومآلاتها. ومن ذلك دعوى بعضهم أن مشاهدة المواد الإباحية المصنوعة كلياً بالذكاء الاصطناعي دون محاكاة لأشخاص حقيقيين تختلف في الحكم عن الإباحية التقليدية نظراً لانتفاء وجود ذات بشرية حقيقية يقع عليها الضرر المباشر.

اختصارا:

الشبهة القائلة بأن المادة الإباحية المصنوعة بالذكاء الاصطناعي مباحة أو تختلف عن المواد التقليدية لعدم وجود ذات بشرية حقيقية، هي شبهة ساقطة عقلاً ونقلاً، ولا أساس لها في ميزان الشرع. فالتحريم في الإباحية ليست علته الوحيدة "وجود شخص حقيقي يقع عليه الظلم أو يُنتهك عرضه" فيدور معها الحكم حيث دارت، رغم أنها علة معتبرة في الإباحية البشرية، بل يدور على علل أصيلة أخرى ملازمة للفعل ذاته، مثل: إثارة الشهوة في غير موضعها الشرعي، والنظر إلى العورات التخيلية المقترنة بالفحش، وما يترتب على ذلك من إفساد للعقل والقلب، فضلاً عن سد الذرائع المؤدية للمحرمات. وبناءً عليه، فإن هذا الفن من الإنتاج محرم تحريماً قاطعاً، والقول بغير ذلك نوع من الجدل الباطل والتبرير النفسي.

وتفصيلا:

رغم أن مسألة "الذكاء الاصطناعي" نازلة حديثة، إلا أن العلماء قديماً وحديثاً أصلوا لمسائل تُقاس عليها هذه النازلة قياساً جلياً، ومن ذلك:

1. موقف العلماء قديماً

أصَّل الفقهاء قديماً لمنع تحريك الشهوة بالوسائل التخيلية أو الصور المحرمة:

الإمام ابن حجر الهيتمي ت 974هـ: نص في كتابه «الزواجر عن اقتراف الكبائر» على حرمة تفكر الإنسان في محاسن امرأة أجنبية حتى تتحرك شهوته، لأن في ذلك وسيلة إلى الفاحشة.

الفقهاء في مسألة النظر إلى الصور التخيلية أو التماثيل: فرق الفقهاء بين النظر العابر وصور الفحش التي تحرك الشهوة. وجاء في «رد المحتار على الدر المختار» لابن عابدين الحنفي ما يؤكد أن كل ما يثير الشهوة ويؤدي إلى الفتنة والنظر بشهوة محرم، ولو كان المرئي ليس آدمياً حياً كالنظر إلى التماثيل بشهوة.

2. موقف المؤسسات الفقهية والعلماء حديثاً

اتفقت المؤسسات الفقهية المعاصرة على تحريم هذا النوع من المواد:

دار الإفتاء المصرية: أصدرت فتاوى صريحة تحرم المادة الإباحية المصنوعة بالذكاء الاصطناعي، وجاء في تأصيلها: "أن تحريم هذه الأمور لا يتوقف على كون الأشخاص حقيقيين، بل لما تشتمل عليه من إثارة الشهوات، ومخالفة الفطرة السوية، وتدريب النفس على الفاحشة".

دائرة الإفتاء العام الأردنية: أكدت في فتاواها حول الفضاء الإلكتروني والمواد البصرية أن "حرمة النظر مقترنة بوجود الفتنة وإثارة الشهوة في غير ما أحل الله، والذكاء الاصطناعي لا يغير من حقيقة المضمون الفاسد شيئاً".

القواعد الفقهية الحاكمة

قاعدة: «الأمور بمقاصدها»

المقصد من مشاهدة هذه المواد -سواء كانت لبشر أو لذكاء اصطناعي- هو استثارة الشهوة المحرمة ونيل لذة غير مشروعة، والوسائل لها أحكام المقاصد.

قاعدة: «الوسائل لها أحكام المقاصد» و «سد الذرائع»

إن الشارع إذا حرم غاية وهي الزنا والفاحشة، حرم كل وسيلة تفضي إليها أو تدرب النفس عليها وتكسر حاجز الحياء تجاهها.

قاعدة: «الضرر يزال»

الضرر هنا وإن لم يقع على شخصية كرتونية أو اصطناعية، فإنه يقع يقيناً على المشاهد نفسه ضرر نفسي، عقلي، وسلوكي، والشرع يمنع الإنسان من إلحاق الضرر بنفسه لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ضرر ولا ضرار».

المناقشة العقلية والمنطقية للرد على الشبهة

تتهافت هذه الشبهة من الناحية العقلية والمنطقية المحضة عبر عدة أوجه:

العلة: الشهوة والفعل الإنساني لا يفرقان بين الحقيقي والافتراضي

يدعي أصحاب الشبهة أن انتفاء "وجود شخص حقيقي" ينفي التحريم. والرد العقلاني على ذلك هو: هل الأثر النفسي والبيولوجي الناتج عن المشاهدة حقيقي أم افتراضي؟

الواقع أن الدماغ البشري يستجيب للمؤثر البصري المثير للشهوة بالطريقة ذاتها سواء كان الشخص حقيقياً أو مولداً بالذكاء الاصطناعي. فاللذة الناتجة، واستثارة الغريزة، والوقوع في شرك الإدمان البصري هي سلوكيات حقيقية وواقعية بالكامل. فالعقل والمنطق يقولان: إذا كان الأثر والنتيجة إثارة الشهوة السامة حقيقية، فإن الفعل المفضي إليها يأخذ حكمها، ولا عبرة بكون الوسيلة وهمية.

ثانياً: جناية الإنسان على نفسه

يركز أصحاب الشبهة على فكرة "عدم وجود عرض يصان للشخصية الاصطناعية". وهذا قصور عقلي في فهم فلسفة التشريع الإلهي. فالتحريم في الإسلام لا يهدف فقط لحماية الآخرين، بل لحماية النفس ذاتها.

الإنسان الذي يشاهد هذه المواد ينتهك حرمة نفسه، ويفسد عقله، ويشوه مفهوم العلاقات الإنسانية لديه؛ حيث يتحول الجنس في عقله إلى آلية ميكانيكية استهلاكية خالية من المودة والرحمة. فالعقل يوجب صيانة النفس من التدنس برذائل التخيل، كما يمنعها من تناول السموم ولو كانت مصنعة في مختبر وليست مستخلصة من نبات طبيعي.

ثالثاً: التطبيع مع الجريمة والفاحشة

منطقياً، التدرب على الفاحشة من خلال بيئة افتراضية هو خطوة أولى نحو استسهالها في البيئة الواقعية. فالذكاء الاصطناعي في هذا السياق يعمل كـ "محاكي" يُهين الكرامة الإنسانية ويطبع مع الأنماط الشاذة والمنحرفة. والعقل الرشيد يدرك أن من يتدرب على الرماية بافتراض، يقصد تطبيقها في الواقع؛ والنفوس التي تألف قبيح الصور الاصطناعية، سينتقل خبثها حتماً إلى سلوكها الواقعي مع البشر.

رابعا: فساد مقصد التناسل

ولقد أظهرت الإحصائيات في العالمين الغربي والشرقي الذي تحلل من مواثيق الأخلاق بأن العزوف عن الزواج والإنجاب، بل حتى عن العلاقات المحرمة بين الرجل والمرأة بات ظاهرة ألجأتهم إلى دراستها خوفا على جنسهم وقوميتهم، فقد اكتفى الرجال والنساء بالمقاطع والأدوات الجنسية التي لا ترتب عليهم أي مسئولية تجاه كائن من كان.

والخلاصة أن القول بإباحة الإباحية الاصطناعية بناءً على وهم صيانة العرض، يشبه تماماً القول بإباحة "التدرب على التخطيط لسرقة بنوك افتراضية بهدف سرقتها في الواقع"، أو "شرب ماء يظنه الرائي خمراً ليتلذذ بشكل السكر". إنه تلاعب بالمنطق، وتمرير للمفسدة من باب التكنولوجيا.

والله تعالى أعلى وأعلم