أعمل مبرمجاً عن بُعد لشركة غربية، وينص عقدي على العمل 8 ساعات يومياً، لكن لخبرتي الكبيرة أُنهي مهام اليوم في ساعتين فقط، وأضع برنامجاً يحرك "الماوس" ليظهر مديري أنني متصل طوال الوقت، بينما أقوم أنا بأعمالي الخاصة؛ فهل راتبي حلال باعتبار أنني أنجزت المطلوب، أم يجب عليّ التواجد الفعلي 8 ساعات؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن الإسلام قد
عظّم شأن العقود والعهود، وجعل الوفاء بها من ركائز الإيمان وأمارات الصلاح، فقال
تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ}. وفي بيئات العمل
الحديثة، خصوصًا العمل عن بُعد أصبحت الأمانة والرقابة الذاتية هي المعيار الأساسي
لاستحقاق الكسب؛ إذ غاب الرقيب البشري المباشر وحلّ محله الالتزام الأخلاقي
والشرعي. وإن مهارة الموظف وسرعة إنجازه لا تعفيه من الالتزام بالقيود الزمانية أو
الشروط التوافقية التي ارتضاها عند توقيع العقد، فالكسب الطيب المشروط بزمن لا
يحلّ إلا باستيفاء هذا الزمن أو استئذان صاحبه.
اختصارًا:
يعتمد الأمر على طبيعة التعاقد، وهل نص العقد يطلب منك
إنجاز العمل أم التقيد بساعات محددة، أم كليهما معا، فإن كان كليهما معًا، وفي
مهام الوظيفة متسع، فعليك أن تطلب مهام جديدة تستوعب الوقت، وإن كان المطلوب هو
إنجاز المهام فقط، وليست هناك مهام أخرى يمكنك إنجازها فلا داعي للتعمية على مديرك
فقد أنجزت عملك.
ولا يحلّ لك أخذ الراتب كاملاً عن الساعات الست التي لا
تعمل فيها للشركة ولا تكون فيها مستعدًا لعملهم، طالما أن العقد ينص صراحة على
"زمن محدد" ٨ ساعات يوميًّا، لأنك في هذه الحالة تُعد "أجيرًا خاصًّا"
يملك المستأجر نفعك في هذا الوقت.
واستخدام هذه البرامج لإيهام الإدارة بالتواجد هو نوع من
الغش والتدليس والتغرير الممنوع شرعًا؛ وإقدامك على هذا الفعل لإخفاء واقعك دليل
ذاتي على وعيك بمخالفة شروط العقد.
المخرج الشرعي والأخلاقي:
يجب عليك مصارحة الشركة بواقع الحال، وعرض كفاءتك وسرعة
إنجازك عليهم، وطلب تعديل العقد ليكون "على الإنتاج والمهمة بدلاً من
"الوقت"، وبذلك يصبح وقتك ملكًا لك وراتبك حلالاً محضًا.
تفصيلاً:
لقد فرّق الفقهاء قديمًا وحديثًا بين نوعين من الأجراء:
"الأجير المشترك" الذي يعمل بالإنتاج والمهمة، و"الأجير
الخاص" الذي يُؤجر نفسه لجهة واحدة وقتًا محددًا. والموظف بعقد محدد الساعات
هو أجير خاص؛ وحكمه كالتالي:
١. التزام الأجير الخاص بالوقت واستحقاقه للأجر:
أجمع الفقهاء على أن الأجير الخاص يستحق الأجر بتمكين
المستأجر من نفسه وشغل وقته بالعمل المتفق عليه، ولا يجوز له العمل لحسابه الخاص
في هذا الوقت إلا بإذن صاحب العمل.
جاء في "المبدع في شرح المقنع" لابن مفلح
5/90:
"الأجير الخاص: وهو الذي يستأجر مدة، فلا يصح أن
يعمل لغير مستأجره؛ لأن منافعه في هذه المدة صارت مستحقة للمستأجر".
وجاء في "درر الحكام شرح مجلة الأحكام" لعلي
حيدر 1/527:
"المادة 425: ليس للأجير الخاص أن يعمل لآخر، فإن
عمل وضاع شيء من العمل للمستأجر الأول، ينقص من أجرته بمقدار ما ضاع".
٢. الفتاوى المعاصرة في العمل عن بُعد والالتزام بالوقت:
أصدرت الهيئات الفقهية فتاوى صريحة في أن عقود العمل عن
بُعد المحددة بساعات تُلزم الموظف بالبقاء متاحًا للعمل طوال تلك الساعات، حتى لو
أنهى مهامه مبكرًا، ما لم ينص العقد على غير ذلك.
جاء في فتاوى "موقع الإسلام سؤال وجواب"
بإشراف الشيخ محمد صالح المنجد فتوى رقم 329606:
"إذا كان عقد العمل يحدد ساعات معينة، فالواجب على
الموظف الالتزام بهذه الساعات، ولا يجوز له الانشغال عنها بعمل آخر؛ لأن وقت
الموظف في ساعات الدوام مملوك لجهة العمل، وإنجاز العمل في وقت قصير بسبب المهارة
لا يبيح ترك الدوام أو التشاغل عنه إلا بإذن الإدارة".
وجاء في فتاوى "دائرة الإفتاء العام الأردنية"
الفتوى رقم 3584:
"إذا التزم الموظف بوقت محدد للدوام، فإنه يحرم
عليه مغادرة العمل أو الانشغال بأمور شخصية دون إذن، والواجب عليه أن يضع نفسه تحت
تصرف العمل في هذا الوقت، والراتب يُوزع على الوقت والعمل معًا".
القواعد الفقهية الحاكمة:
تنضبط هذه المسألة بعدد من القواعد الفقهية والأصولية:
قاعدة: "المسلمون على شروطهم"
العقد بينك وبين الشركة الغربية هو الشريعة المحكَّمة
بينكما. وبما أن العقد اشترط ٨ ساعات يوميًّا، فقد وجب الوفاء بهذا الشرط لفظًا
وروحًا، ولا يجوز تعديله من طرف واحد بناءً على تقدير الشخص لمهارته.
قاعدة: "الخراج بالضمان" وقاعدة "الغنم
بالغرم"
الشركة تضمن لك راتبًا كاملاً مقابل مغرم محدد وهو
احتباس وقتك وجهدك لصالحها لمدة ٨ ساعات. فإذا أسقطت أنت زمن الاحتباس وصرفته
لنفسك، فقد أخذت الغنم دون تحمّل الغرم.
قاعدة: "الإشارة المعهودة كالنطق باللسان"
استخدام برنامج يحرّك الماوس هو بمثابة "إشارة
فعلية كاذبة" تمنح الإدارة بيانًا غير حقيقي عن تواجدك. في الفقه، يعتبر هذا
الفعل تدليسًا مفسدًا لشرط الأمانة، وحكمه حكم التزوير الفعلي لدفتر الحضور
والانصراف.
التركيز على شروط العقد والجانب الأخلاقي:
أولاً: دلالة استخدام برنامج تحريك "الماوس":
إن استخدامك لبرنامج يحاكي حركة الفأرة ليظهرك متصلاً
أمام مديرك هو أكبر دليل ذاتي على علمك بأن ما تفعله غير قانوني وغير أخلاقي.
لو كان إنهاء العمل في ساعتين يمنحك الحق الشرعي
والنظامي في قضاء الساعات الست الباقية في أعمالك الخاصة بموجب العقد، لما احتجت
إلى التغرير بالمدير ومخادعة نظام الرقابة الإلكتروني في الشركة. إن حاجتك لإخفاء
الواقع بالخديعة والبرمجة الزائفة هي العلامة المنبهة للضمير بأن هذا المال
المأخوذ عن ساعات التغرير فيه شبهة حرام واضحة، فالإثم -كما قال النبي ﷺ- "ما
حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه الناس".
ثانيًا: المهارة لا تلغي شرط الزمن:
خبرتك الكبيرة وسرعتك في الإنجاز ميزة تشكر عليها، وهي
سبب لرفع قيمتك السوقية، لكنها لا تعطيك الحق في إعادة صياغة شروط العقد سرًّا.
العقد نص على زمن ٨ ساعات وليس على مشروع مجرد؛ والشركة قد تحتاج منك في الساعات
الست الباقية الاستعداد لطوارئ العمل، أو مساعدة زملائك، أو تطوير أنظمتهم، وطالما
أنك أغلقت باب الاتصال الفعلي، فقد حرمتهم من حقهم في وقتك الذي دفعوا ثمنه مسبقًا.
ثالثًا: الحل العملي التحول إلى العمل بالإنتاج:
المخرج الشرعي والأخلاقي الوحيد الذي يحفظ لك كرامتك
المهنية ويجعل كسبك طيبًا مباركًا هو المصارحة.
عليك أن تتقدم لمديرك بكل شجاعة وثقة وتقول له:
"أنا بفضل خبرتي أستطيع إنجاز مهام اليوم الكامل بجودة فائقة في ساعتين فقط،
وأقترح عليكم تعديل عقدي ليكون عقدًا مبنيًّا على الإنتاج والمهمة بدلاً من
الساعات الزمنية".
إن وافقوا: فلك أن تنهي العمل في ساعتين وتعمل ما تشاء
في باقي يومك، وراتبك حلال ١٠٠٪.
إن رفضوا واشترطوا تواجدك ٨ ساعات: فواجبك إما الالتزام
بالبقاء تحت تصرفهم والرد على رسائلهم وتطوير العمل طوال الساعات الثماني، أو
البحث عن عقد آخر يناسب سرعة إنجازك. والله تعالى أعلى
وأعلم.
روابط
ذات صلة: