بين البِر بالأهل والإنكار عليهم.. حيرة طالب جامعي

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">أنا شاب أدرس في السنة الثالثة بالجامعة. تربيت في عائلة كل اللي حولنا والمجتمع يشوفونها عائلة متدينة ومحافظة؛ ففي المناسبات الاجتماعية، وقدام الأقارب والجيران، أبوي وأمي وإخواني حريصين مرة يظهرون تمسكهم بالدين، ويجاملون بالعبارات الدينية، وحتى ينصحون غيرهم</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">لكن المشكلة هي واقعنا داخل البيت؛ كل المظاهر هذه تختفي تمامًا، وأشوف في السر تصرفات وتجاوزات مالها أي علاقة بجوهر الدين اللي يتظاهرون فيه قدام الناس، هذا غير التساهل في بعض الواجبات الأساسية وتركها</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">التناقض هذا مخليني ضايع ومشتت بين عالمين. حاولت كذا مرة إني أنصحهم بضرورة إن ظاهرنا يطابق باطننا، بس ردة فعلهم دايم تكون عنيفة؛ يتهموني إني منصَّب نفسي قاضي ومحقق أحاسبهم على تصرفاتهم، وأوقات يقلب النقاش لزعل ومقاطعة تدوم أيام</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">كيف أتعامل مع هالتعب والشتات النفسي؟ وهل المفروض أمشي معهم وأسكت عشان بر الوالدين وعشان سلامة البيت، ولا سكوتي هذا يعتبر نفاق ورضا بالغلط؟</span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="mso-margin-top-alt:auto;mso-margin-bottom-alt: auto;text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt">وهل إصراري إني أقول الحق وأنكر عليهم وقت الخلافات في البيت واللي أهلي يشوفونه تشدد وخروج عن طاعتهم ممكن يعتبر عقوق؟ مع إن نيتي والله هي الغيرة على الدين وإني أحب لهم الخير</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">وجزاكم الله خير الجزاء</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span>

مرحبًا بك يا بني، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يقر عينك بهداية أهلك وصلاح بالهم، ويمنحك الحكمة والسكينة، ويثبتك على الحق ويجعلك مباركًا أينما كنت، وبعد...

 

فإن من المؤلم حقًّا أن ترى من تحبهم والذين من المفترض أن يكونوا قدوة لك، يظهرون في العلانية بصورة صالحة طيبة، ثم إنهم في السر يسقطون ويخالفون ما يظهرونه أمام الناس.

 

ولكن مع هذا، أُذكِّرك يا بني بأن كل بني آدم خطاء، وبأن البيوت عورات، وكثير من الناس يعتريهم الضعف والنفاق الاجتماعي وتقلُّب القلوب. والتدين الظاهري قد يكون أحيانًا عبارة عن رداء اجتماعي يرتديه الناس لحماية مكانتهم، بينما يعجزون عن مجاهدة أنفسهم في الخلوات.

 

بالتأكيد أنت لست مسؤولًا عن سلوك أهلك هذا؛ بل أنت مسؤول عن سلوكك أنت وتعاملك أنت مع ربك ومعهم.

 

وللتخلص من هذا التعب الذي أشرت إليه وهذا الشتات، أنصحك بما يلي:

 

1- إدراك المسؤولية الفردية:

 

عليك أن تدرك أنك كائن مستقل أمام الله عز وجل. فذنوب أهلك أو تقصيرهم لا يُنقص من إيمانك ولا من قدرك عند الله شيئًا. تذكر قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾ [الإسراء: 15]. فضع حدًّا فاصلًا بين حبك لأهلك وبرك بهم، وبين قبولك لأفعالهم.

 

2- التركيز على دائرة تأثيرك:

 

ينقسم واقعنا إلى: دائرة اهتمام (أخطاء أهلك التي لا تملك تغييرها بالقوة)، ودائرة تأثير (صلاتك، دراستك، بناء مستقبلك، تطوير ذاتك). فكلما ركزت على دائرة تأثيرك، قلَّ شتاتك النفسي وزادت قوتك.

 

3- البحث عن بيئة بديلة:

 

بما أن الأجواء في المنزل مشحونة ومتناقضة، اصنع لنفسك «واحة نفسية» خارج البيت؛ باختيار صحبة صالحة تعينك وتثبتك على الطاعة، من خلال الجامعة، أو المسجد، أو أي نشاط خيري، لتجد الراحة التي تفتقدها داخل المنزل. يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

 

4- المداراة لا المداهنة:

 

سألت: «هل أمشي معهم وأسكت؟ وهل هذا نفاق؟»، وللإجابة عن هذا السؤال يجب أن نفرق بين مفهومين:

 

- المداراة: وهي أن تتغاضى وتلين وتصبر على أخطاء الآخرين مداراةً لشرهم، أو تأليفًا لقلوبهم، أو تجنبًا لمفسدة أكبر، مثل قطع الرحم أو إشعال البيوت بالخلافات. وهذه مستحبة ومطلوبة.

 

- المداهنة: وهي أن توافقهم على الباطل بلسانك، أو تشاركهم في المعصية، أو تضحك معهم عليها رضًا بها. وهذه محرمة.

 

لقد وضع لنا الرسول ﷺ منهجًا متدرجًا في التعامل مع المنكر، فقال: «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [رواه مسلم]. فإذا كان الإنكار باللسان يؤدي إلى مفسدة أعظم (عنف، قطيعة، اتهام بالتشدد، إغلاق أبواب الهداية)، فإن الواجب الشرعي هنا ينتقل فورًا إلى الإنكار بالقلب؛ وهو أن تكره المعصية، وتتمنى زوالها، وتنسحب من المجلس الذي تُرتكب فيه إن استطعت، ولا تشارك فيه. وهذا السكوت لحفظ سلامة البيت وبر الوالدين ليس نفاقًا؛ بل هو حكمة وفهم سليم لمقاصد الشريعة.

 

5- الرفق بالوالدين في الإنكار:

 

ربما يكون أسلوبك في الإنكار مدفوعًا بحماس الشباب وغيرتهم الصادقة، ولكن الوالدين يريان هذا الأسلوب -غالبًا- نوعًا من التعالي عليهم، وكأنك تنصِّب نفسك قاضيًا عليهم، وهذا ما يثير حفيظتهم ويدفعهم لرد الفعل العنيف.

 

يا بني، إن الإنكار على الوالدين ليس كالإنكار على عامة الناس. فالله -عز وجل- أمر ببر الوالدين حتى لو كانا يدعوان الابن لأعظم الكبائر وهو الشرك بالله! قال تعالى: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكِ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِيعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ [لقمان: 15].

 

لذا، فإن الإصرار على الإنكار بطريقة الند للند، أو الجدال الذي يؤدي إلى الخصام والمقاطعة لأيام، قد يدخل في دائرة العقوق والإساءة، حتى وإن كانت نيتك طيبة. فالنية الصالحة لا تُصلح العمل الفاسد.

 

تأمل قصة الخليل إبراهيم -عليه السلام- وهو يعظ والده آزر الذي كان يصنع الأصنام ويكفر بالله. كيف كان يخاطبه؟ كان يقول بكل أدب وانكسار وتلطف: ﴿يَا أَبَتِ إنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ العِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ ولِيًّا﴾ [مريم: 43- 45]. لم يقل له: «أنت كافر»، ولا «أنت منافق»، ولا «أنت كاذب»، بل تلطف له بقوله: ﴿يَا أَبَتِ﴾.

 

6- النصيحة غير المباشرة:

 

بدلًا من أن تقول: «يا أبي، هذا التصرف حرام»، يمكنك أثناء جلوسك معهم أن تشغل مقطعًا مرئيًّا أو صوتيًّا لشيخ يثقون به، يتحدث عن خطورة هذا الذنب بشكل عام.

 

7- الدعوة بالقدوة والإحسان:

 

اجعل تدينك الحقيقي ينعكس في أخلاقك معهم. كن أكثر إخوانك برًّا بهم، ومساعدة لهم، وتفوقًا في دراستك. عندما يرون أن تمسكك بالدين جعلك ابنًا مثاليًّا وطائعًا ومُحبًا، ستتغير نظرتهم لإنكارك، وسيحترمون رأيك.

 

8- استثمار أوقات الصفاء:

 

لا تنصح أبدًا في لحظة وقوع الخطأ أو وسط شجار وانفعال. اختر وقتًا يكون فيه والدك أو والدتك في حالة نفسية جيدة، وتكلم بلسان المحب المشفق لا المحقق، قل مثلًا: «يا أمي أنا أحبك وأخاف عليك، وأتمنى أن نكون معًا في الجنة...» ثم قل نصيحتك بلطف وبألفاظ منتقاة.

 

9- الدعاء بظهر الغيب:

 

وهو السلاح الذي يغفل عنه كثيرون. ادعُ لهم في سجودك وفي جوف الليل بقلب خاشع. إن قلوب العباد يا بني بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

 

وختامًا يا بني، اعلم أنك في ابتلاء واختبار، وأن الله يرى صدق نيتك وغيرة قلبك، فلا تدع الشيطان يدفعك لليأس أو ترك الطاعة أو الانقلاب على أهلك. حافظ على باطنك نقيًّا، والتمس لأهلك الأعذار لعلهم يمرون بضغوط أو فتن لا تعلمها، مع عدم إهمال ما ذكرنا من وسائل لنصحهم ودعوتهم.

 

اللهم يا مقلب القلوب ثبت قلب هذا الشاب على دينك، اللهم املأ قلبه سكينة وطمأنينة، واصرف عنه الشتات والحيرة. اللهم اهدِ أهله ووالديه وإخوانه، واجعل بيتهم عامرًا بذكرك وطاعتك في السر والعلن، واجمع شملهم على الهدى والتقوى، واجعلهم هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

كيف يصحح الوالدان مفهوم «الإنكار» لدى الابن حديث التدين؟

كيف أوازن بين التحذير من المنكر والدعوة بالحكمة والرفق؟

فقه الموازنة بين دعوة الأقارب والغرباء