والدي في العناية المركزة منذ أسبوعين إثر حادث سير، وأقر ثلاثة أطباء ثقات أن مخه قد مات تماماً ولا أمل في رجوعه، لكن قلبه ينبض بسبب أجهزة التنفس الاصطناعي، والمستشفى يخيرنا الآن في رفع الأجهزة؛ فهل يعتبر والدي ميتاً شرعاً، وهل نأثم إن وافقنا على إيقاف الأجهزة عنه؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، عظّم الله أجركم،
وربط على قلوبكم بالصبر والسكينة، ونسأل الله العلي القدير أن يتغمد والدكم بواسع
رحمته ولطفه في هذا الابتلاء الشديد. ندرك تمامًا الثقل النفسي والألم الذي
تعيشونه كعائلة أمام هذا القرار الصعب؛ ولكن من رحمة الشريعة الإسلامية وسعتها
أنها لم تترك الإنسان حائرًا في مثل هذه المواقف الحرجة، بل وضعت لها أحكامًا
واضحة تُوازن بين كرامة الإنسان الميت وحفظ مشاعر أهله، وبين الحقائق الطبية
القاطعة، بعيدًا عن العواطف المجرّدة التي قد تطيل عذاب الجسد بلا فائدة.
اختصارًا: بناءً
على ما قرره كبار العلماء والمجامع الفقهية المعتمدة حديثًا، فإن والدكم شفاه الله
ورحمة به يُعتبر في حكم الميت شرعًا؛ لأن موت الكامل للدماغ، والميؤوس من عودته
بتقرير الأطباء الثقات يُعدّ نهاية للحياة الإنسانية المستقرة. وبناءً على ذلك، لا
إثم عليكم مطلقًا في الموافقة على رفع أجهزة التنفس الاصطناعي والإعاشة؛ لأن النبض
الحاصل في القلب والتحرك في الصدر ليس علامة على الحياة، وإنما هو حركة آلية
مستعارة بفعل دفع الأجهزة فقط.
أولاً: الفقهاء المتقدمون ومفهوم مفارقة الحياة
لم يكن مفهوم "موت الدماغ" معروفًا بأدواته
الطبية الحديثة عند الفقهاء القدامى، لكنهم وضعوا أصلاً فقهيًّا دقيقًا ينطبق تمامًا
على هذه الحالة، وهو التفريق بين "الحياة المستقرة" و"حركة
المذبوح" وهي الحركة الاضطرارية التي تعقب الموت ولا تدل على وجود الروح.
جاء في كتاب المنثور في القواعد للإمام الزركشي الشافعي:
"الحياة المستقرة هي التي يكون معها الإدراك
والحركة الاختيارية، أما حركة المذبوح فلا عبرة بها ولا تمنع من إجراء أحكام
الموت" المنثور في القواعد، 2/72.
وقد نص الفقهاء على أن من وصل إلى حالة يقطع فيها
الأطباء أو العرف بموته وعدم إمكانية عودته للحياة، فإن بقاء بعض الحركات
الارتدادية في جسده لا يخرجه عن كون حكمه حكم الموتى.
ثانيًا: المجامع الفقهية والعلماء المعاصرون
مع تقدم الطب وظهور أجهزة الإنعاش، تداعى الفقهاء
والأطباء لدراسة نازلة "موت الدماغ"، وانتهى الرأي الفقهي الجماعي إلى
اعتبار موت الدماغ وفاة شرعية يسوغ معها رفع الأجهزة.
قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون
الإسلامي: في دورته الثالثة بعمّان عام 1986م، أصدر قراره التاريخي رقم 17 3/5
بشأن أجهزة الإنعاش، ونصّ فيه على ما يلي:
"يعتبر الشخص قد مات وتترتب جميع الأحكام المقررة
شرعاً للوفاة عند ذلك إذا تبينت فيه إحدى العلامتين التاليتين:
إذا توقف قلبه وتنفسه توقفا تامًا وحكم الأطباء بأن هذا
التوقف لا رجعة فيه.
إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائيًّا، وحكم
الأطباء الاختصاصيون الخبراء بأن هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ دماغه في التحلل.
وفي هذه الحالة يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على الشخص وإن كان بعض الأعضاء،
كالقلب مثلاً، لا يزال يعمل آليًّا بفعل الأجهزة" مجلة مجمع الفقه الإسلامي،
العدد الثالث، ج2/ ص 809.
قرار المجمع الفقهي الإسلامي بمكة المكرمة التابع لرابطة
العالم الإسلامي:
في دورته العاشرة عام 1987م، قرر ما يوافق ذلك، وأكد أنه
إذا شُخّص بموت جذع الدماغ بتقرير لجنة من ثلاثة أطباء عدول مختصين، فإن المريض
يُعد متوفى، ويجوز وقف الأجهزة النفاثة عنه، حتى وإن كان القلب ينبض آليًّا بفعل
الأجهزة.
فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء في
السعودية:
جاء في الفتوى رقم 9847 "إذا كان الواقع كما ذُكر
من أن المريض المذكور قد مات دماغه وفقد الوعي والإدراك... وقرر الأطباء المختصون
الثقات أنه لا أمل في عودة الحياة إليه؛ فإنه لا مانع من فصل أجهزة الإنعاش عنه؛
لأن بقاءه على هذه الحال تمديد للحالة الآلية بلا فائدة" فتاوى اللجنة
الدائمة، 25/78.
القواعد الفقهية الحاكمة
تستند مشروعية رفع الأجهزة في هذه الحالة المعقدة إلى
عدة قواعد فقهية كلية وضابطة:
قاعدة "المشقة تجلب التيسير":
إلزام الأهل والمستشفيات بالاستمرار في وضع الأجهزة على
جسد مات دماغه وتتحلل خلاياه فيه مشقة نفسية بالغة على ذوي المريض، وإرهاق مالي
واقتصادي بغير طائل طبي، فشُرع التيسير برفعها.
قاعدة "لا ضرر ولا ضرار":
بقاء الأجهزة على جسد فارقته الحياة حكمًا يحرم مرضى
آخرين أحياء بحياة مستقرة من استخدام هذه الأجهزة الحيوية وغرف العناية المركزة
لإنقاذ حياتهم، وفي هذا ضرر عام على المجتمع وضرر خاص بعائلة المريض، والشرع جاء
برفع الضرر.
قاعدة "الحياة المستعارة أو الآلية لا عبرة
بها":
النبض الحاصل في القلب ليس ذاتيًّا، بل هو ناتج عن ضخ
الأكسجين المدفوع بالكهرباء والآلات، والفقهاء يقررون أن الأثر المترتب على الآلة
لا يغير من حقيقة تلف الأصل وهو الدماغ الحاكم على الجسد.
قاعدة "تغير الأحكام بتغير الأزمان والأحوال":
حيث سمحت وسائل العلم الحديثة والتشخيص الطبي القاطع
بتحديد اللحظة التي يموت فيها الإنسان بموت جذع الدماغ، وهو ما جعل الفقه المعاصر
يتسع لهذا التكييف لإنهاء معاناة الأجساد وصون كرامة الموتى من العبث الطبي.
وبناءً على تقرير الأطباء الثلاثة الثقات بموت مخ والدكم
تمامًا، فإن رفع الأجهزة عنه جائز شرعاً، وهو قرار لا يترتب عليه أي إثم أو تفريط
من قبلكم، بل هو ترخيص من الشريعة تيسيرًا وتكريمًا للمتوفى. فضَعوا أمركم بيد
الله، واستقبلوا قضاءه بالرضا والدعاء له بالرحمة والمغفرة. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة:
رفع أجهزة الإنعاش عن المريض.. حكمه وضوابطه