تعاقد على إعلان يلزمه مدح السلعة دون بيان عيوبها، فما الحكم

أنا صانع محتوى تقني، تعاقدت مع شركة للهواتف المحمولة عقداً مجزياً للإعلان عن جهازها الجديد، لكن بعد التجربة اكتشفت عيوباً واضحة في البطارية. العقد يلزمني بمدح المنتج فقط وعدم ذكر أي سلبية وإلا تحملت شرطاً جزائياً ضخماً؛ فهل يجوز لي إتمام هذا الإعلان وأخذ المال أم أُعدّ غاشاً للمتابعين رغم الشرط الجزائي؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، من عظيم محاسن الشريعة الإسلامية حثها على الصدق والأمانة في المعاملات، وزجرها عن الغش والخداع والتدليس، وجعلها البركة في الرزق منوطة ببيان الحقيقة ونصح الخلق. ومن النوازل المعاصرة التي أفرزتها الطفرة الرقمية وظيفة "صناعة المحتوى والإعلانات التجارية" عبر منصات التواصل الاجتماعي.

 

وهناك أمر في غاية الأهمية ينبغي الالتفات إليه، وهو أن العقود لمن يحرص على الحكم الشرعي ينبغي أن تُناقش شرعيتها وتُعرض على أهل العلم قبل التوقيع عليها؛ لأن العقد بعد التوقيع والوقوع في شباكه تخضع حساباته لمؤثرات أخرى خارجة عن محض الحلال والحرام، كحسابات القوانين الوضعية الملزمة، والبنود الجائرة، والشروط الجزائية الضخمة التي قد تُعجز المكلف عن الفكاك منها، مما يوقعه في ضيق وحرج شديدين كان في عافية منهما قبل توقيعه.

 

اختصارًا: لا يجوز لك شرعًا إتمام هذا الإعلان على الوصف المذكور، ويحرم عليك أخذ هذا المال؛ لما فيه من الغش الصريح وكتمان عيب السلعة الخفي الذي يضر بالمستهلك، والشرط الجزائي لا يبيح ارتكاب المحرم.

 

وبند "المدح المطلق وكتمان العيب" هذا شرط باطل شرعًا؛ لأنه شرط يحل الغش والتدليس ويحرم النصح والبيان، وكل شرط يخالف مقتضى الشريعة فهو باطل وإن كان في مئات العقود.

 

وأحسبه باطل قانونًا أيضًا، فلا يمكن لشركة تراعي سمعتها، سوف تغامر بالإفصاح عن هذا الشرط علانية أمام المستخدمين، ولعلها ورقة ضغط في يدك، أن تساومهم على فسخ العقد والتنازل عن الشرط الجزائي، في مقابل إلغاء هذا التعاقد، وعدم التشهير بهم.

 

ويجب عليك محاولة الفسخ الودي مع الشركة، أو محاولة تعديل صياغة الإعلان ليركز على الميزات الحقيقية دون التعرض للبطارية بمدح كاذب، فإن تعذر ذلك فالانسحاب أولى؛ لأن طاعة الله تسبق الشروط الجزائية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

 

آراء العلماء قديمًا وحديثًا

 

بنى الفقهاء حكم هذه النازلة على تحريم كتمان العيوب في السلع، وبطلان الشروط التي تُلزم بالمعصية، وقد قرر الفقهاء قديمًا أن كتمان عيب السلعة محرّم، وأن الدلالة على السلعة مع كتمان عيبها إعانة على أكل أموال الناس بالباطل.

 

وجوب بيان العيب وتحريم التدليس:

 

جاء في المجموع شرح المهذب للإمام النووي: «الغش في البيوع محرم، وكذا كتمان العيوب... لقوله : "من غشنا فليس منا"».

 

أثر كتمان العيب في محق البركة:

 

جاء في فتح الباري للحافظ ابن حجر معلقًا على حديث البيعين بالخيار: «قوله وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما، فيه دليل على أن الشؤم يلحق عاقبة الكذب والكتمان، وأن البركة تلحق عاقبة الصدق والبيان، والرزق مقدور، وإنما يكتسب بالصدق البركة، وبالكذب المحق».

 

بطلان الشروط المخالفة للشرع:

 

جاء في المغني لابن قدامة: «والشروط في البيع تنقسم إلى أربعة أقسام: أحدها: ما يبطل البيع... والقسم الثاني: شروط فاسدة في نفسها لا تبطل البيع، نحو .....  أو يشترط ألا يبيعها أو ألا يهبها، أو يشترط شرطًا يخالف مقتضى العقد الشرعي».

 

آراء الهيئات الفقهية في عقود الإعلانات والشرط الجزائي

 

التفت العلماء في العصر الحديث إلى عقود المروجين وصناع المحتوى، وقيدوها بضوابط صارمة:

 

قرار المجمع الفقهي الإسلامي برابطة العالم الإسلامي: في قراره بشأن الشرط الجزائي، أكد المجمع أن الشرط الجزائي يُعتد به ما لم يكن هناك عذر شرعي أو كان البند نفسه مبنيًّا على باطل.

 

اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء: سُئلت اللجنة عن الدلالة على السلع المعيبة مع مدحها، فأجابت:

 

«لا يجوز للمسلم أن يمدح سلعة بما ليس فيها ترويجًا لها، ولا أن يكتم عيبًا فيها... فإن فعل ذلك فهو آثم، وكسبه خبيث، والواجب عليه التوبة والنصح للمسلمين».

 

الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع": أشار إلى أن الدلالة الكاذبة على جودة السلعة تدخل في باب "النجش المحرم"؛ لأنه يغر المشتري ويدفعه للشراء بناءً على الوهم الصادر من المادح.

 

القواعد الفقهية الحاكمة

 

تتحكم في هذه المسألة عدة قواعد فقهية تقطع عذر الاحتجاج بالشرط الجزائي بعد الوقوع فيه:

 

قاعدة "المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حرم حلالاً أو أحل حرامًا":

 

هذه القاعدة النبوية هي أصل الشروط، وبما أن بند "المدح المطلق وعدم ذكر السلبيات لمنتج معيب" يجبرك على الكذب والغش، فهو شرط أحل حرامًا؛ وبالتالي هو بند باطل شرعًا لا يلزم الوفاء به دِيانةً.

 

قاعدة "الضرر لا يُزال بالضرر":

 

قد يدفع صانع المحتوى عن نفسه ضرر الخسارة المالية أو دفع الشرط الجزائي وهو ضرر خاص به، بإلحاق ضرر الخديعة والتدليس بآلاف المتابعين الذين سيشترون الهاتف بناءً على كلامه فيخسرون أموالهم وهو ضرر عام عليهم؛ والشريعة تمنع تمامًا إزالة الضرر الشخصي بإضرار الآخرين.

 

قاعدة "الضرورات تبيح المحظورات بشرط عدم نقصانها عنها":

 

دفع الشرط الجزائي المالي يمثل حرجًا وضيقًا، لكنه لا يصل إلى رتبة "الضرورة الملجئة" كالخوف على النفس أو الهلاك التي تبيح للمسلم أكل أموال الناس بالباطل والكذب عليهم.

 

قاعدة: "الوسائل لها أحكام المقاصد"

 

بما أن مقصد العقد الترويجي في هذه الحالة هو دفع المستهلك لشراء جهاز معيب عبر إيهامه بخلاف الحقيقة، فإن وسيلة المدح والسكوت عن العيب تصبح محرمة تبعاً للمقصد الغاش المحرم. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

صور حديثة من الخداع يمارسها بعض التجار

كيف تتصرف بعد التوقيع على عقد؟

عقود الخيارات (Options Contracts) الماهية والحكم الفقهي