<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify"><span lang="AR-SA" style="font-size: 18pt; background-image: initial; background-position: initial; background-size: initial; background-repeat: initial; background-attachment: initial; background-origin: initial; background-clip: initial;">كيف يمكن للإنسان أن يدافع عن مهنية أدائه، ويوضح حدود ما هو متاح له، دون أن يتحول خطابه إلى أداة اتهام ذاتي أو اعتراف ضمني بالتقصير، خصوصًا في بيئات العمل التي تعتمد على أنظمة تقنية مغلقة؟<o:p></o:p></span></p>
مرحبًا
بك يا بني، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأحييك على هذا الوعي النابض في
سؤالك، رغم أنك في بداية حياتك المهنية، وأسأل الله أن يفتح لك أبواب التوفيق
والسداد، وأن يشرح صدرك، وييسر أمرك، وأن يرزقك سداد القول والعمل، وبعد..
معضلة
«المهنية» في الأنظمة المغلقة
إن
الأنظمة التقنية المغلقة في
الإدارة، تركز بشكل كبير أولًا على تحسين أداء الموظفين داخل بيئة
العمل، دون النظر للمتغيرات الخارجية. وتتسم
بقدر كبير من البيروقراطية والقواعد الصارمة، والتسلسل الهرمي الثابت، والتقسيم
الواضح للأدوار لضمان الانضباط الداخلي.
وغالبًا
ما توصف هذه الأنظمة بالمثالية من قبل بعض القائمين على الإدارة العليا، بينما
يعلم الممارس على أرض الواقع أنها تحتوي على ثغرات كثيرة، رغم وجود حدود تقنية لا
يمكن تجاوزها.
والخطأ
الشديد الذي يقع فيه كثير من الموظفين الشباب هو تبني «خطاب الاعتذار» أو «التبرير
الدفاعي»، عند الوقوع في مشكلة أو ارتكاب خطأ، أو حتى شرح وجهة نظر، وهو ما يفسره
المديرون تلقائيًّا -مع الأسف- بأنه اعتراف ضمني بالتقصير أو اتهام الذات بضعف
الكفاءة.
أولًا-
البُعد الشرعي
في
ديننا الحنيف، العمل أمانة، وإتقانه مطلب شرعي؛ ولكن، هل الإتقان يعني تكليف النفس
بما لا تطيق؟ أو تحمل مسؤولية خطأ تقني خارج عن إرادتك؟
قطعًا
لا؛ فالشرع الحكيم وضع لنا قواعد واضحة، منها:
-
رفع الحرج: يقول
الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286].
فإذا كان النظام التقني يضع حدًّا لقدرتك على الإنجاز، فإن هذا يخرج عن الوسع،
والمطالبة بما وراء ذلك تكليف بمحال.
-
العدل مع النفس: كما أنك مأمور بالعدل مع صاحب العمل، أنت مأمور
بالعدل مع نفسك؛ فلا تظلمها بتحميلها وزرًا ما لم تقترفه. يقول الله تعالى: ﴿وَلَا
تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا ۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ
أُخْرَىٰ﴾ [الأنعام: 164]. النظام المغلق هنا هو أيضًا يحمل وزر الخلل، وليس أنت
وحدك.
-
البيان دون خنوع: في قصة نبي الله يوسف -عليه السلام- عندما طلب
التمكين، لم يتحدث بضعف؛ بل حدد كفاءته بوضوح وجرأة مهنية: ﴿قَالَ اجْعَلْنِي
عَلَىٰ خَزَائِنِ الْأَرْضِ ۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]. ولم يقل:
«سأحاول عسى ألا أقصر»، بل حدد مهارته. وبالمثل، عند بيان الحدود، يجب أن يكون
الخطاب صادقًا وعالمًا بالمنظومة.
ثانيًا-
البُعد الإداري
ولدي
العزيز، إن الإدارة لا ترحم الضعيف في فنون التواصل والتعبير اللغوي. فإذا قلت:
«لم أستطع إنجاز المعاملة لأنني لم أفهم النظام جيدًا»، فهذا اتهام ذاتي صريح. أما
إذا قلت: «النظام الحالي يفتقر إلى كذا وكذا، مما حصر الأداء والمخرجات في حدها
الأقصى الحالي»، فهذا توصيف تقني.
لذلك،
إليك القاعدة الذهبية: اجعل النظام أو البيئة هو الفاعل، واجعل نفسك الموجِّه
أو المراقب اليقظ الواعي المدرك لمسؤولياته ومسؤوليات الآخرين.
فبدلًا
من تبنِّي الصياغات الدفاعية التي قد تبدو اعترافًا ضمنيًّا بالتقصير، يمكنك إعادة
صياغة خطابك الإداري ليصبح «تقريرًا موضوعيًّا» يحدد معالم المشكلة، وإليك بعض
الأمثلة والنماذج:
-
عند الحديث عن تأخر المعاملات: تجنب تمامًا أن تبادر الإدارة بقولك:
«أعتذر عن التأخير، فالنظام معقَّد ولم أستطع اللحاق بالموعد»؛ فهذه العبارة تضع
كفاءتك وسرعتك الشخصية في موضع اتهام. والصياغة المهنية البديلة هي أن تسرد الواقع
كحقيقة تقنية فتقول مثلًا: «وفقًا للمحددات التقنية الحالية للنظام، فإن دورة
معالجة الطلب تستغرق وقتًا ثابتًا». هذا التحول في العبارة ينقل تركيز المدير
فورًا من تقييم سرعة أدائك إلى فهم طبيعة البنية التحتية التي تعمل عليها.
-
عند التعامل مع توقف أو بطء النظام: احذر أن يخرج منك خطاب على
شاكلة: «حاولت بكل جهدي؛ لكن النظام لم يفتح معي»؛ فهذا الأسلوب يضعك في صورة
الضحية القاصرة أمام التكنولوجيا. والأصح إداريًّا هو تقديم المشهد كتقرير رصد
احترافي، كأن تقول: «تم رصد توقف مؤقت في استجابة الخادم خلال الفترة من الساعة
كذا إلى كذا، وتم توثيق الحالة». بهذا أنت لا تبرر عجزك؛ بل تظهر بمظهر المراقب
اليقظ الذي يحمي سير العمل ويوثق ثغرات التقنية.
-
عند حدوث خلل في المخرجات بسبب برمجة النظام: لا تقل أبدًا
بنبرة انفعالية: «أنا لست مسؤولًا عن هذا الخطأ، فالبرنامج هو السبب»، فهذا الهروب
اللفظي يضعف هيبتك المهنية. والبديل السردي الذكي هو أن تشخص المسألة بلغة الخبير،
فتقول: «المخرجات الحالية هي النتيجة المباشرة للمدخلات والمعادلات البرمجية للنظام».
بهذه الجملة، أنت تثبت عمق فهمك للمنظومة التقنية، وتحمي أمانتك المهنية برصانة
وهدوء دون الدخول في تشنجات دفاعية.
ثالثًا-
البُعد الاجتماعي والنفسي
يميل
الناس غالبًا إلى تصديق «النبرة» قبل «النص». فإذا دخلت على مديرك وأنت مطأطئ
الرأس، تشبِّك أصابعك، وتبدأ بـ: «أنا آسف ولكن...»، فقد حسمت القضية ضد نفسك
اجتماعيًّا ونفسيًّا قبل أن تبدأ الشرح.
يُحكى
أن إدارة أحد المصانع استدعت مهندسًا كبيرًا ذا خبرة، ليصلح آلة عملاقة توقفت عن
العمل، فلما وصل إليها طَرَق على مكان معين فيها طرقة واحدة، فعادت الآلة فورًا
للعمل، وسط دهشة الجميع! ثم قدم إليهم فاتورة أتعابه بألف دولار! فثار المدير
وقال: «أنت لم تفعل شيئًا سوى مجرد طرقة في ثانية واحدة! فعلام هذا المبلغ
الكبير؟!». فعدَّل المهندس الفاتورة وكتب: «قيمة الطرقة دولار واحد. وقيمة معرفة
المكان الذي يجب طرقه 999 دولارًا». فالمهندس لم يعتذر عن بساطة الفعل؛ بل أبرز
قيمة علمه وخبرته بالنظام.
رابعًا-
البُعد العملي
لكي
تحول هذا الكلام النظري إلى واقع في عملك، أنصحك بالتالي:
1-
التوثيق الفوري:
الأنظمة
المغلقة لا تملك مشاعر؛ لكنها تملك سجلات. فلا تعتمد على الشفهي مطلقًا. إذا
واجهتك عقبة تقنية تحد من أدائك، فوثِّقها فورًا وصفيًّا وزمنيًّا، بالتقاط صورة
للشاشة، أو بنسخ رمز الخطأ، وأرسل بريدًا إلكترونيًّا فوريًّا للدعم الفني أو
لمديرك بها، مع الشرح.
2-
الرجوع للمعايير:
عندما
تُسأل عن سبب مشكلة ما (نقص في الإنتاج مثلًا أو تأخير) لا تقل: «لا أقدر»؛ بل قل:
«المعايير القياسية لتصميم هذا النظام مغلقة على استيعاب كذا من المعاملات
يوميًّا، وأدائي الحالي مستقر عند أعلى نقطة يتيحها هذا المعيار»، وهكذا بحسب كل
حالة.
3-
تقديم الحلول البديلة:
حينما
توضح حدود النظام ومشكلته، أتبعها مباشرة بتقديم حل بديل، أو مقترح تطويري. فهذا
ينفي عنك تمامًا تهمة التقصير ويضعك في مكانة المطوِّر والإيجابي.
4-
تحسين قدرات التواصل:
تدرب
أمام المرآة على قول الحقائق بنبرة خالية من المشاعر، دون خوف، ودون تحدٍّ، ودون
اعتذار. نبرة تشبه نبرة طبيب يشخص حالة مريض: «الضغط مرتفع بسبب انسداد الشريان»،
الطبيب لا يعتذر عن انسداد الشريان؛ بل يصفه كحقيقة واقعة ليس متسببًا فيها.
وختامًا
يا بني، إن الحدود التقنية للأنظمة ليست عيبًا فيك، والاعتراف بحدود المتاح هو قمة
المهنية والأمانة. فاحرص على أن تكون لغتك موضوعية، موثقة، مطورة، إيجابية، وسترى
كيف ستتحول نظرة مديريك لك من موظف يبرر إلى خبير يشخِّص ويقترح.
اللهم
ارزق هذا الشاب لسان صدق وعلم، وبصيرة في عمله، وأعِذه من العجز والكسل، واجعل
التوفيق حليفه، وافتح له قلوب العباد، ويسر له أمره. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على
نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم آمين.
روابط
ذات صلة:
ما هي بيئة العمل المناسبة لتحفيز الأفراد؟
تبسيط المفاهيم الإدارية والفكرية المعقدة