تقييد حفر الآبار بين النفع العام والفساد المقنن.. الأمور بمقاصدها

ما حكم حفر الآبار الارتوازية العشوائية التي تؤدي إلى جفاف المياه الجوفية والإضرار بالزراعة المجاورة؟ وهل لولي الأمر منعها تنظيماً للمصلحة العامة؟

الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلا وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم.. الماء هو عصب الحياة وأساس الاستخلاف في الأرض، وقد جعل الله سبحانه وتعالى مصادره الطبيعية ولا سيما المياه الجوفية ملكًا عامًّا للأمة ومنفعة مشتركة للعباد. ونظرًا للتطور التقني المعاصر الذي أتاح حفر آبار عميقة تسحب المياه بكميات هائلة، فقد ترتب على الحفر العشوائي وغير المدروس أضرار بالغة بالثروة المائية، أدت إلى جفاف الآبار السطحية وإهلاك زراعة الجيران. وتأتي هذه الفتوى لبيان الأحكام الفقهية المتعلقة بحفر هذه الآبار، ومدى سلطة ولي الأمر في تنظيمها، مع ضبط حدود هذه السلطة جلبًا للمصالح ودفعًا للمفاسد.

 

اختصارًا: حفر الآبار الارتوازية العشوائية المسببة للضرر محرم شرعًا؛ إذا ترتب عليه جفاف المياه الجوفية العامة، أو أدى إلى إهلاك زراعة الجيران وإلحاق الضرر المباشر بملكيتهم ومصادر عيشهم.

 

وسلطة ولي الأمر في المنع والتنظيم مشروعة وواجبة؛ ولولي الأمر تقييد حفر الآبار وجعلها خاضعة لتراخيص بناءً على المصلحة العامة وحماية الثروة المائية للدولة، وإنما يجوز هذا الأمر من السلطة الشرعية التي جاءت برضا الرعية، ومنع الحفر أو تنظيمه إذا كان دافعه "حماية المصلحة العامة" وصيانة حقوق العباد فهو جائز ومخالفته محرمة.

 

أما إذا قامت الحكومات بمنع الناس من الاستفادة من المياه المباحة بغرض فرض رسوم تعسفية جائرة وجباية الأموال فقط لتأمين احتياجات أنظمتها، أو لتمكين المسؤولين المرتشين من التكسب غير المشروع، فهذا المنع باطل ومحرم شرعًا؛ لأنه من باب أكل أموال الناس بالباطل، ويدخل في دائرة "المكوس والجباية" المذمومة، ولا تنفذ تصرفات الحاكم في مثل هذه الحالات لخللوها من المصلحة الشرعية المعتبرة.

 

أولاً: التأصيل الفقهي القديم لـ "حفر الآبار والضرر بالجيران"

 

أصّل الفقهاء قديمًا مسألة حفر البئر في الملك وما يترتب عليه من نقص مياه الآبار المجاورة، وفرّقوا بين التصرف المشروع والتصرف المضر:

 

مذهب الحنفية والشافعية في أصل التصرف: يرى بعضهم أن للمالك حفر بئر في أرضه، ولكنهم قيدوا ذلك بعدم قصد الإضرار الصرف بالجيران.

 

مذهب المالكية والحنابلة وهو المعتمد في نفي الضرر: منعوا المالك من إحداث أي تصرف في ملكه إذا كان يترتب عليه ضرر بين بجاره، كأن ينقطع ماء بئر الجار أو يقل جوهره.

 

جاء في "الخرشي على مختصر خليل":

 

"يُمْنَعُ الشَّخْصُ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي مِلْكِهِ بِمَا يَضُرُّ بِجَارِهِ ضَرَرًا بَيِّنًا، كَمَنْ يَحْفِرُ بِئْرًا بِقُرْبِ بِئْرِ جَارِهِ فَيَذْهَبُ مَاؤُهَا، أَوْ يَحْفِرُ كَنِيفًا مجرى صرف بِقُرْبِ مَطْبَخِهِ... فَإِنَّهُ يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَيُجْبَرُ عَلَى رَدِّهِ".

 

وجاء في "المغني" لابن قدامة:

 

"إذا حفر بئرًا فجذب ماء بئر جاره، فإن قصد الإضرار به مُنع منه، وإن لم يقصد الإضرار وبان الضرر بيانًا واضحًا يقطع المنفعة، وجب الكف؛ لأن النبي قال: «لا ضرر ولا ضرار»".

 

ثانيًا: فتاوى الهيئات والعلماء المعاصرين في تنظيم الآبار

 

مع اتساع رقعة الحفر الارتوازي الميكانيكي، تضافرت فتاوى العلماء المعاصرين على وجوب تنظيم هذه العملية عبر الدولة:

 

قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي:

 

أكد المجمع في قراراته المتعلقة بـ "الملكية العامة وحماية البيئة" أن الموارد الطبيعية والمياه الجوفية تخضع لولاية الدولة التنظيمية، وأن الاستغلال الجائر الذي يهدد المخزون الاستراتيجي للأمة يقع في دائرة الحظر الشرعي، ولولي الأمر وضع القيود الزاجرة لحمايتها.

 

فتوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء:

 

"إذا كان حفر الآبار بدون تنظيم يؤدي إلى اختلاط المياه العذبة بالمالحة، أو جفاف الطبقات الجوفية المغذية لزراعة المسلمين، فإن لولي الأمر منع الحفر العشوائي وإلزام الناس بالتراخيص، طالما أن هذا المنع يحقق العدالة في التوزيع ويمنع استئثار البعض بالماء على حساب الآخرين".

 

القواعد الفقهية الحاكمة

 

تستند هذه الأحكام وتفصيلاتها إلى مجموعة من القواعد الفقهية الكلية، ومنها:

 

قاعدة: لا ضرر ولا ضرار:

 

وهي مستندة إلى الحديث النبوي الشريف، وتقرر أن حفر البئر الارتوازية بطريقة عشوائية تسحب مخزون المنطقة وتجفف زراعة الجيران هو ضرر مَحض وِإضرار بالغير، والشرع الحكيم جاء لرفع الضرر وإزالته، فلا يحل للمرء نفع نفسه بإهلاك غيره.

 

قاعدة: تصرف الحاكم على الرعية منوط بالمصلحة:

 

هذه القاعدة تضبط تصرفات ولي الأمر وجودًا وعدمًا:

 

في الجانب المشروع: إذا كان منع الحفر وتنظيمه يهدف إلى حفظ المياه من الجفاف وتأمينها للأجيال والزراعة، فهو تصرف "منوط بالمصلحة" فيجب طاعته والالتزام به تَبَعًا لقاعدة يجوز لولي الأمر تقييد المباح للمصلحة العامة.

 

في الجانب المحرم: إذا تخلف شرط "المصلحة" وصار المنع مجرد وسيلة لابتزاز المواطنين، وفرض رسوم ظالمة لتمويل الفساد أو لملء جيوب المسؤولين المرتشين، فإن التصرف يخرج عن عهدة الشرع ويسقط اعتباره؛ لأن الحاكم هنا يتصرف لشهوة ومصلحة خاصة لا مصلحة عامة، وعقوبة المكس والجباية بغير حق من الكبائر.

 

قاعدة: يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام:

 

منع فرد واحد من حفر بئر في أرضه وهو ضرر خاص به من حيث تقييد حريته في ملكه يُعد جائزًا ومطلوبًا شرعًا إذا كان هذا المنع يحمي أمن المياه لبلدة أو منطقة زراعية كاملة وهو دفع للضرر العام. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

«لا ضرر ولا ضرار».. قاعدة كلية في السياسة الشرعية