<p>السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا فتاة أبلغ من العمر 27 سنة، متوسطة الجمال، ومثقفة ومتدينة، الحمد لله، صرت مقتنعة أنني قد بلغت من النضج ما يجعلني مؤهلة للزواج.</p><p> مشكلتي أن الخطّاب قليلون جدًا، فربما يتقدم لي شخص واحد في السنة فقط، فمنذ أن كان عمري 19 عامًا، كان يأتي أحيانًا شخص أو شخصان في السنة للسؤال عني، في البداية كان أهلي يرفضونهم، إما لأنني كنت أدرس، أو لأن الخاطب لم يكن لديه عمل ثابت، آخر خاطب تقدم لي كان قبل شهرين، وعندما سألت عنه وجدته عصبيًا ومدخنًا، وللأسف رفضته، وسألت الله أن يعوضني خيرًا عاجلًا غير آجل></p><p> لا أخفيكم أنني أُعجب أحيانًا ببعض الشباب، سواء كانوا زملاء عمل أو أصحاب متاجر، لكن سبحان الله يختفون بسرعة من حياتي دون أن يتقدموا لخطبتي، رغم أنني أرى في تصرفاتهم ما يدل على إعجاب واهتمام واضحين></p><p> أنا الآن خائفة على نفسي، ولا أريد أن أتبرج أو أسلك طريقًا غير مشروع للحصول على شريك حياة، فالزواج أمر حلال ومحبب، ولا ينبغي السعي إليه بمعصية الله، لكنني بشر، ساعدوني أرجوكم.</p>
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك ابنتي الكريمة في موقعك
بوابة الاستشارات الإلكترونية.
مشاعرك
نحو الزواج مشاعر طبيعية للغاية، فلقد أصبحت فتاة ناضجة لديك مشاعر وعواطف بحاجة
أن تلبّى من خلال الزواج.. المشكلة أنك تشعرين أن عدد الخُطّاب قليل، وأن
من يتقدم في اللحظة الراهنة يكون لديه عيوب واضحة، وبالتالي يتم رفضه كما حدث مع
الخاطب الذي تقدم لك منذ شهرين.
المشكلة
الثانية أنك تشعرين ببعض مشاعر الإعجاب نحو بعض الزملاء وتشعرين
أنهم يهتمون بك ولكنهم لا يتقدمون، وهذا يترك في نفسك أكثر من علامة استفهام.
المشكلة
الحقيقية التي تشعرين بها هي الخوف "أنا خائفة على
نفسي".
أنت
خائفة من مرور الوقت.. خائفة من تراجع الفرص.. خائفة من قلة عدد من يتقدم.. خائفة
أن تبقي بلا زوج.. خائفة من الوحدة.. ربما خائفة من نظرة المجتمع.. أما خوفك
الأكبر فهو أن تتراجعي عن قيمك ومبادئك أن ينجح الشيطان في أن يسول لك التبرج..
أنت تعلمين يقينًا أن الزواج رزق وأن ما عند الله لن ينال بمعصيته، لكنك خائفة
قلقة.. فكيف تواجهين هذا الخوف؟ وما هي الأسباب التي تأخذين بها حتى يتقدم لك
الشاب الذي ترتضين دينه وخلقه؟
قلق
استباقي
ابنتي
الكريمة، أنت تعانين مما يطلق عليه "القلق الاستباقي"، أي
أنك تقلقين من أمور لم تحدث بعد تستبقين بها الأحداث، فأنت ما زلت في السابعة
والعشرين وما زال عدد الخُطّاب الذي يتقدمون لك ثابتًا مثلما كنت في التاسعة عشرة
خاطب أو اثنين كل عام وآخرهم لم يمض على رفضه شهران بعد.. أعرف أنك تشعرين أن كل
خاطب يُرفض هو بمثابة فرصة ضائعة، ولكن لا تجعلي ذلك يؤثر على سلامك النفسي ويوقعك
في دائرة القلق والخوف {الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ} فقر الفرص
وفقر نوعية الفرص فتعيشين بعقلية الندرة.
يا
غاليتي، أنا لا أقول لك هذا الكلام على سبيل الاستهلاك والتهدئة، ولكنه حقيقة نعيشها، من
يشعر أن الحياة فقيرة شحيحة تكون هكذا بالنسبة له فعلاً، أما من يحسن
الظن بالله الرزاق يوقن يقينًا تمامًا أن الذي خلق وهدى قدر ما يكفينا جميعًا
من الرزق في كل مجالاته وصوره.. وما الزواج إلا صورة من هذا الرزق.
دعينا
نناقش المسألة بشكل عقلي تمامًا.. هناك أزمات اقتصادية طاحنة تعصف بالشباب،
وبالتالي فمن الوارد جدًّا أن الكثيرين يعجبون بك ويهتمون لأمرك لكنهم لا يملكون
ما يمكنهم من الزواج، وهذا لا ينطبق عليك أنت وحدك، بل ينطبق على ملايين الفتيات..
لم يعد أمر الزواج سهلاً كما كان يحدث في الماضي، وأصبح هناك نمط للمعيشة لا يمكن
للفتاة العصرية التنازل عنه...
لا
أريد هنا أن أشرح لك تعقيدات الوضع بالنسبة للشباب وأثر ذلك على تراجع معدلات
الزواج.. لكن وعلى الرغم من ذلك فلا يزال الزواج أهم مشروع حياتي للشباب
خاصة في بلادنا المسلمة.. نعم هناك تراجع في المعدلات.. نعم هناك قلة نسبية
فيمن يستطيع التقدم، وهذا كله انعكس على تأخر نسبي لسن الزواج، ولكن هذا لا يدفعنا
للقلق الاستباقي، بل يدفعنا لفهم الصورة الكلية الأكبر لواقع الزواج، وهذا يجعلنا
أكثر اطمئنانًا أن ما يحدث معنا هو أمر طبيعي بالنسبة لظروف العصر الراهنة.
أما
الاطمئنان الأكبر فهو ناتج من يقيننا أننا لا نسير وحيدين في هذا العالم، وأن الله
معنا يسمع ويرى ويعلم بما نحتاج وأنه سوف يرزقنا بذلك؛ لأنه هو الرزاق الكريم.
كيف
تصنعين فرصًا حقيقية؟
ابنتي
الغالية، التوكل على الله عز وجل والدعاء لا يتنافى مع الأخذ بالأسباب، وسوف أقدم
لك خمسة مقترحات عملية تساعدك بمشيئة الرحمن أن تجدي الزوج
المناسب.
· عندما عرفت نفسك في بداية
رسالتك قلت إنك فتاة مثقفة ومتدينة ومتوسطة الجمال، وأنا أريدك أن تكوني
فتاة شديدة الجمال، وهذا ليس له أي علاقة بالتبرج.. هذا يأتي من شعورك النفسي
الداخلي...
يا
ابنتي، ليس هناك نموذج مقرر للجمال يتم المقارنة به، ولكن هناك شعور نفسي بالجمال..
البشرة البيضاء والشعر الأشقر ليس هما معيار الجمال قد يكون هكذا عند البعض أو حتى
عند الكثيرين، لكنك تجدين على مستوى العالم فتيات سوداء البشرة لهن شعر مجعد،
ولكنهن يتم عدهن أيقونات للجمال...
أنت
بحاجة أن تشعري بنفسك بشكل مختلف وتتعاملي مع جمالك بطريقة مختلفة.. اهتمي بكل
تفاصيلك الصغيرة.. أعرف فتيات منتقبات لا يخرجن إلا عندما يضعن زينة كاملة للوجه
رغم أنه لن يراهن أحد، ولكن هذا يمنحهن شعورًا بالثقة.. اهتمي بنقاء بشرتك
ونعومتها.. اهتمي بوزنك.. اهتمي بحالتك الصحية ولياقتك.. اهتمي بأن تكون ثيابك
المحتشمة مرتبة مهندمة وأنيقة.. اهتمي بكل التفاصيل...
الجمال
مسألة يصعب على الرجال تجاوزها ويكاد لا يعوضه شيء عند الكثيرين منهم، والنبي ﷺ يلفت الانتباه
لهذه النقطة عندما وقع أسامة بن زيد وهو طفل فجرح في وجهه أخذ النبي ﷺ يمسح عن وجهه
الدم ويقول (لو كانَ أسامةُ جاريةً لحَلَّيْتُهُ وكسوتُهُ حتى أُنَفِّقَهُ).
· اندمجي أكثر في الحياة
الاجتماعية ووسعي دائرة علاقاتك، أعلم أنك
تعملين ولديك حياة اجتماعية بالفعل، ولكن أنت بحاجة لتواجدك في دوائر أوسع.. من
ناحية هذا يثري حياتك ولا يجعل فكرة الزواج مسيطرة على تفكيرك بطريقة مثيرة للقلق،
وفي الوقت ذاته يفتح لك آفاقا كي تكوني مرئية بشكل أوضح داخل مجتمعك.. وحتى يتحقق
ذلك لا بد أن تكون مشاركتك في مجالات لديك شغف بها وتفيدك وتثري حياتك لا مجرد
أماكن تذهبين إليها حتى تزيدي فرصك في الزواج.
· امنحي كل خاطب يتقدم لك
فرصة كاملة، وكوني واقعية في التقييم؛ فاختزال
الإنسان في صفة واحدة أو صفتين تبسيط مخل تمامًا.. مثلاً الخاطب الأخير عندما
سألتم عليه قالوا عنه عصبي مدخن، لكن هذا لم يكن كافيًا لرفضه حتى تتضح الصورة
كاملة.. العصبية درجات ونسبة كبيرة من البشر يتسمون بدرجة أو أخرى من العصبية، وستجدين
فتاة تقول أنا أستطيع التعامل مع الشخص العصبي، لكنني لا أستطيع التعامل مع الشخص
البخيل..
كما
أن هناك عيوبًا ظاهرة للشخصية، وأن هناك عيوبًا خفية.. شخص ظاهره عادي وليس عصبيًّا
لكن عندما تتعاملين معه تكتشفين أنه ضعيف الشخصية وأن الهدوء الظاهر هو قشرة يغطي
بها ضعف الشخصية وهكذا، فكان من المفترض أن تجلسي معه وتتعرفي عليه وتتعرف عليه
أسرتك حتى يتم تقييمه، والشخص العصبي يتم اكتشافه سريعًا، فإلى أي حد هو عصبي؟ هذا
سؤال أساسي.
التدخين
معصية لا شك في ذلك، لكنها من المعاصي التي عمّت بها البلوى، وكثير من الفتيات
يرفضن الشاب المدخن، لكن عندما يتم الجلوس معه يحدث لون من القبول.. لا أقصد أنه
يجب عليك التنازل، ولكن ما أقصده أنه ينبغي عليك أن تمنحي كل فرصة حقها قبل الرفض
وألا تختزلي هوية الشخص في مسألة واحدة فقط.
· تحدثي مع صديقاتك.. مع
قريباتك عن الزواج بعقل مفتوح.. تحدثي عما تريدينه في
زوجك المستقبلي وعما لا يمكن التنازل عنه وما يمكن التساهل فيه.. مثلاً إذا كانت
الجوانب المادية في أسرتك يتم التعامل معها بمرونة فلا تترددي في إعلان ذلك حتى
تكون دائرة المعارف على علم به، وتكوني حاضرة دائمًا في دائرة الترشيحات المرنة.
· إذا كان هناك شاب
يناسبك ويعجبك وتشعرين أنه مهتم بك فمن الممكن أن تفكري في توسيط طرف قريب منه أو التلميح لهذا الوسيط، ونفس الأمر من الممكن أن تقوم
به عائلتك.. الفاروق عمر بادر بعرض الزواج من ابنته حفصة.. المهم أن الشخص
الذي يتم العرض عليه يكون مصدر ثقة وصاحب خلق ودين يتفهم أن هذا أمر شرعي.
ابنتي
الكريمة، لا تملّي من الدعاء.. ادعي الله دعاء المضطر وأكثري من الذكر والصدقة،
وبعد ذلك امضي في حياتك ولا تجعلي من الزواج مركز استقرارك النفسي..
أسعد الله قلبك ورزقك زوجًا صالحًا يسعد قلبك عاجلاً غير آجل.
روابط
ذات صلة:
كيف تواجه الفتاة المتأخِّر زواجها ضغط المجتمع وتنمُّره؟
كيف نُطَمئن فتاة تأخَّر زواجها وشابًّا يبحث عن وظيفة؟
تأخرت في الزواج.. كيف أحمي نفسي؟