كان مؤخر صداقي 100 جرام من الذهب، والآن عند الطلاق أصبح سعر الذهب أضعاف ما كان عليه وقت الزواج، فهل يدفع لي الزوج القيمة المالية القديمة أم وزن الذهب بسعره الحالي؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فمرحبًا بك أختي الكريمة، المهر أو الصداق حقٌّ شرعي
أوجبه الله تعالى للمرأة على زوجها عند عقد النكاح، وجعله ملكًا خالصًا لها. وقد
جرى العرف في كثير من البلدان على تقسيم المهر إلى "مقدّم" يُدفع عند
العقد، و"مؤخّر" يحلّ بأقرب الأجلين الطلاق أو الوفاة.
وعند صياغة مؤخر الصداق في عقد الزواج، تختلف الطريقة؛
فتارةً يُكتب بمبلغ من العملات الورقية كالجنيه أو الدينار، وتارةً يُحدد بوزنٍ
معلوم من العين كالذهب أو الفضة. ولكل حالة من هاتين الحالتين تكييف فقهي وأحكام
تخصها عند السداد، خاصة في ظل التغيرات الاقتصادية الكبيرة التي تشهدها الأسواق
وتأثيرها على القيمة الشرائية.
اختصارًا: يعتمد
الحكم الفقهي على الصيغة التي كتب بها مؤخر الصداق، فإن كتب بالجرامات كما هو
الواضح من سؤالك، فالواجب على زوجكِ أن يسلمكِ 100 جرام من الذهب سبائك أو حلي، أو
أن يدفع لكِ قيمتها المالية الحالية بسعر الذهب يوم السداد والوفاء وليس بالقيمة
القديمة وقت الزواج.
وبما أن مؤخر الصداق عُيِّن في عقد الزواج بوزن محدد من
الذهب 100 جرام، فقد أصبح الذهب نفسه هو "دَين المهر" الثابت في ذمة
الزوج، وليس القيمة النقدية. فالذهب يُعدّ سلعةً ومثليًّا لا يتغير وزنه بتغير
الأسعار، وبالتالي لا أثر لارتفاع سعره أو انخفاضه على ذمة الزوج؛ فعليه تسليم ذات
الوزن أو قيمته الحالية عند الخصومة أو السداد.
وللتفصيل أقول:
اتفق الفقهاء على أن الدَّين إذا كان ذهبًا أو فضة موزونًا،
وجب أداء مثله وزنًا وصفة، بغض النظر عن غلاء سعره أو رخصه وقت الأداء.
1. المذهب الحنفي
يرى الحنفية أن المهر إذا سُمِّي ذهبًا، وجب جنسه ووزنه.
جاء في كتاب "البحر الرائق شرح كنز الدقائق" لابن نجيم:
"إذا تزوّجها على مائة مثقال ذهب... فإنها تجب من
ذلك العيار الذي كان وقت العقد وزنًا، ولا يلتفت إلى تغير القيمة صعودًا أو هبوطًا؛
لأن التسمية وقعت على الوزن فصار دَينًا في الذمة كسائر الديون المثليّة".
2. المذهب المالكي:
أكد المالكية على أن العبرة بالوزن المحدد في العقد. جاء
في كتاب "المدونة" للإمام سحنون:
"قلتُ: أرأيت إن تزوجها على دنانير وكانت الدنانير
ذهبًا مسكوكًا بوزن معلوم أو تبر ذهب؟ فقال: قال مالك: لها ذلك الوزن الذي سمّاه
لها يوم العقد، يُدفع إليها بوزنه يوم القبض والأداء".
3. المذهب الشافعي
يقرر الشافعية أن المهر إذا كان مثليًّا كالموزونات، وجب
ردّ مثله. جاء في كتاب "المجموع شرح المهذب" للإمام النووي: "إذا
أصدقها شيئًا مثليًّا كالدنانير أو الذهب أو الفضة، ثبت ذلك في ذمته بمثله؛ لأن
المثلي يضمن بمثله، فإذا طلّقها قبل الدخول أو بعده وجب أداء ذلك السند عينًا أو
وزنًا، ولا يُنظر إلى الغلاء والرخص".
4. المذهب الحنبلي
وافق الحنابلة سائر الجمهور في أن الوزن هو الأصل الثابت
في الذمة. جاء في كتاب "المغني" للإمام ابن قدامة: "إذا كان الصداق
دَينًا من ذهب أو فضة، فرخص أو غلا، لم يكن لها إلا دَينها المسَمّى بوزنه؛ لأن
الذهب والفضة هما الأصل في التقويم، والوزن لا يتغير في ذاته، فيجب على الزوج
تسليم نفس الوزن المكتوب أو قيمته الحالية عند الطلب".
وأكدت دور الإفتاء كدار الإفتاء المصرية، والأردنية،
واللجنة الدائمة بالسعودية ومجمع الفقه الإسلامي الدولي، على التفرقة بين المهر
المكتوب نقدًا والمكتوب ذهبًا.
وجاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي بشأن الديون
المتغيرة: "إذا كان الدَّين ذهبًا أو فضة، فإنه يجب رده بمثله وزنًا، ولا أثر
لارتفاع قيمته بالنسبة للعملات الورقية؛ لأن الذهب ذاته قيمة مستقرة، والعملات هي
التي تنخفض قيمتها أمامه. وعليه، فإن المهر المكتوب غرامات من الذهب يُسدّد ذهبًا
أو قيمته النقدية يوم السداد والوفاء".
روابط
ذات صلة: