توفي زوجي وأنا أسكن في بيت إيجار، ولا أملك تكاليف البقاء فيه خلال فترة العدة، فهل يجوز لي الخروج والاعتداد في بيت أهلي؟
الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فمرحبًا بك أختي الكريمة، عظّم الله أجركم، وأحسن
عزاءكم، وغفر لزوجكِ. رحم الله فقيدكم وألهمكم الصبر والسلوان في هذا المصاب
الجلل.
عُنيت الشريعة الإسلامية بأحكام الأسرة عناية فائقة، ومن
ذلك أحكام العِدّة للمرأة المتوفى عنها زوجها؛ صيانةً للأنساب، ورعايةً لحق الزوج
الراحل، وتعبدًا لله عز وجل. والأصل المقرّر شرعًا أن المعتدة من وفاة تجب عليها
ملازمة بيت الزوجية الذي كانت تسكنه عند صدور خبر الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام،
ولا تخرج منه إلا لحاجة أو ضرورة.
غير أن الفقه الإسلامي يتميز بالمرونة ورفع الحرج؛ فإذا
واجهت المعتدة ظروفًا قاهرة تمنعها من البقاء في منزل الزوجية — كعدم القدرة على
دفع الإيجار، أو الخوف على النفس، أو عدم وجود من يعولها — فإن الشريعة لا تكلف
نفسًا إلا وسعها، وتتغير الأحكام بتغير الأحوال والنوازل.
اختصارًا: يجوز لكِ شرعًا الانتقال من بيت الإيجار والاعتداد في بيت أهلكِ، ولا إثم
عليكِ في ذلك، بما أنكِ لا تملكين تكاليف دفع الإيجار للبقاء في المنزل الحالي،
فهذا يُعدّ عند الفقهاء "عذرًا ملجئًا وضرورة تبيح الانتقال". فالأصل
وإن كان وجوب لزوم مسكن الزوجية، إلا أن هذا الوجوب يسقط عند العجز المالي أو
الخوف، وتكمل المرأة عدتها في المكان الذي تنتقل إليه مثل بيت أهلها مع الالتزام
بأحكام الإحداد الأخرى.
وللتفصيل أقول وبالله التوفيق:
اتفق فقهاء المذاهب الأربعة على أن المعتدة إذا لم تجد
ما تنفقه على أجرة السكن، أو خشي المؤجر عدم السداد فأخرجها، أو انتهت مدة عقد
الإيجار ولم تملك تجديده، جاز لها الانتقال.
1. المذهب الحنفي
أجاز الحنفية خروج المعتدة من الوفاة إذا عجزت عن أجر
المسكن، وجاء في كتاب "رد المحتار على الدر المختار" حاشية ابن عابدين:
"تعتدان في بيت وجبت فيه (العدة) إلا أن يخرجها صاحب البيت، أو يخاف انهدامه،
أو لا تجد كراء أجرته... فلا بأس أن تنتقل؛ لأن السقوط لعذر، والضرورات تبيح
المحظورات".
2. المذهب المالكي
يرى المالكية أن المعتدة إذا كانت في سكن بالإيجار ولم
تملك الأجرة من مالها ولم يترك الزوج ما يكفيها، فإنها تنتقل حيث شاءت. جاء في
كتاب "المدونة" للإمام سحنون: "قلتُ: أرأيت المتوفى عنها زوجها إذا
كانت في دار بكراء إيجار، فلم يترك الزوج كراءها، ولم يكن للمرأة مال ينقد في كراء
الدار؟ قال: قال مالك: تخرج إلى حيث شاءت وتبطل السكنى عنها".
3. المذهب الشافعي
أكد الشافعية على سقوط شرط لزوم المسكن عند العجز عن
الأجرة. جاء في كتاب "المجموع شرح المهذب" للإمام النووي: "إذا
وجبت السكنى على المعتدة فصارت الدار غير مسكونة؛ بأن هدمت، أو خافت على نفسها أو
مالها من هجوم سارق، أو خاف المؤجر من عدم سداد الأجرة وأخرجها، أو لم تجد أجرة
الكراء... جاز لها الخروج؛ لأن الإقامة هناك تعذر فيسقط الوجوب".
4. المذهب الحنبلي
وافق الحنابلة الجمهور في جواز الانتقال لعذر الحاجة
والمال. جاء في كتاب "المغني" للإمام ابن قدامة: "المعتدة لا تخرج
من بيتها ليلاً ولا نهاراً إلا لضرورة... فإن اضطرت إلى الخروج، كخوف انهدام
الدار، أو غرقها، أو خوف على نفسها أو مالها، أو بادرتها أجرة الدار ولم تجدها،
فلها أن تنتقل حيث شاءت".
5. الفتاوى المعاصرة
تتفق دور الإفتاء الرسمية حديثًا مثل الأمانة العامة
للإفتاء، ودار الإفتاء المصرية، واللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء على هذا
الحكم، جاء في فتاوى اللجنة الدائمة: "إذا كانت المرأة المعتدة من وفاة عاجزة
عن سداد إيجار المنزل الذي توفي زوجها وهي فيه، أو خافت على نفسها بمفردها، فإنه
يجوز لها الانتقال إلى مسكن آخر تأمن فيه وتستطيع العيش فيه كبيت أهلها، ولا حرج
عليها".
روابط
ذات صلة:
خروج المعتدة من وفاة.. ضوابطه وأحكامه